الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في ذمة التاريخ

ولاية الابن .. عقدة التوريث تقضم رصيد الزعماء وتصنع الطغاة (1)


محمود الذوادي

كم من زعيم عربي فقد رصيده من الشعبية والهيبة بفعل تكالب الابناء على السلطة؟ مسألة ولاية الابن عنوانا ووهنا اخر للدكتاتوريات او الجمهوريات التي سادت في المنتصف الثاني من القرن الماضي حتى بدايات القرن الحالي .. دعنا نقول ان القدر وحده و«ازلية» الحكام منعا توريث الابناء في ليبيا واليمن ومصر والعراق وحتى تونس في حين افلتت منظومات اخرى مثل الحكم في سوريا باعتبار صعود الاسد الابن في عهد ابيه ونظرا للوضع الجيوسياسي ولطبيعة النظام الذي ظل قائما رغم رحيل سيده.

ولى زمن السلاطين والأمراء في كثير من دول المنطقة التي دأبت على الاحتفال سنويا بالعصر الجمهوري وعلى ذم عهد البايات والملوك ولكن لم يتغير فيها الا المظهر الخارجي للحكم حين استفردت بالشعوب.

كما في النظام الملكي ظلت سيناريوهات التوريث جاهزة، و لم تكن العائلة الحاكمة في حاجة للرجوع الى القاعدة الشعبية حتى تستشيرها في من سيحكمها، «حكم الشعب بيد الشعب» يترجم عندنا بان العامة لا شرعية ولا شأن لها بالقيادة والمشكل الوحيد هو الصراع داخل بيت الرئيس في صورة وجود اكثر من مرشح.

كأنّ عقدة الخلافة او ولاية الابن تلاحقنا ،اننا لم نبرح فتنة «حديث الغدير» ومجلس معاوية الذي حسم الامر وورث الحكم لبني امية، الوجه القبيح لهذا الانقلاب التاريخي مفهوم ولابن ابي سفيان ان يبرر بانه فعل ما فعله حتى لا تقوم بعد ذلك فتنة اخرى تعطل حال المسلمين وتفرقهم فيرضى الناس بما هو مقدر اي «حاكم جائر خير من فتنة دائمة».

قرار استثمر كل تلك الصراعات التى ميزت عهد الخلفاء.

ووحدها الحكمة الالهية ربما انقذت المسلمين من فتنة توريث نسل الرسول حيث لم يعش من ابنائه الا الاناث ، ورغم انه مات دون ان يحسم لأهله وعشيرته - ويعد هذا موقفا ديمقراطيا شبه مستحيل قياسا بما يحدث فى ذلك الزمن اذا استثنينا طبعا تأويل الشيعة لوصاياه - فان التكالب على الحكم والمطالبة بتوريث علي بن ابي طالب اغرق الامة في فتنة لم تكن اخرها «واقعة الجمل» التي خرجت فيها زوجة الرسول مدفوعة لقتال ابن عمه.

ففي ظل ولاء كبير لشيعة علي ابن ابي طالب استمدوه من «حديث الغدير» حين خطب الرسول رافعا يد ابن عمه : «من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاده » سيتخلف بنو هاشم ، ال البيت ومن والاهم عن بيعة ابى بكر ولن يرضخوا الا مكرهين ، اما الانصار فسيكتمون غيضهم وقد انتزعت منهم امارة رأوا انهم اجدر بها من المهاجرين ، فقد احتضنوا دعوة الرسول وقاموا بإيواء اصحابه حين اطردوا من مكة ، انهم اول من وضعوا اسس الدولة وبالتالي فهم اهل مدنية و اولى بالزعامة حسب من قام في ذلك اليوم يطلبها لعشيرته.

حدث ذلك ورغم كل تلك التضحيات التي قدمت لتثبيت الدين الجديد على مدى سنوات فان نعرة الجاهلية والعصبية قد استيقظت فجاة ودبت في كل فريق. ربما يصور ذلك المشهد اليوم بطريقة تراجيدية وصادمة ونحن نتمثل الرسول مسجّى في مأتمه ومن حوله يكاد يعلو الصراخ وقرقعة سيوف لم تستل من غمدها طوال سنوات الجهاد الا زهدا في دنيا زائلة ، تلك الحادثة قد تجسم للبعض الصراع على السلطة في ابشع صوره وقد يجدون فيه تفسيرا لما يجري في كل عصورنا مع انه لا تبرير تاريخي او اخلاقي لهذا المرض الذي تعافت منه شعوبا كثيرة ظلت ترى في ملوكها انصاف آلهة.

هل كان من الممكن تفادي تكرار تلك الازمة التي ستورث فينا سياسيا وجينيا؟ لم يكن الامر على درجة من البساطة التي سيفسر بها المؤرخون لاحقا ما حدث وقد خاضوا في المسألة طويلا قديما وحديثا وكلما جد صراع سياسي او ديني على الحكم و لا مجال للمقارنة التي ستكون اسقاطا تاريخيا حتى ان حافظ المجتمع العربي على طابعه العشائري.

لقد مثل النزاع على السلطة اول مأزق و دافع لاختلاف المسلمين حين واجهت الأمة والرسول على فراش الموت شغورا او فراغا سياسيا كان يجب تداركه ولو بحد السيف . هذا يعنى انه علينا ان ننصف الخلفاء الراشدين في مسألة التعاطي مع التوريث ونلتمس الاعذار في التهافت على السلطة وعلى ما ارتكب من جرائم وأخطاء سياسية وهو مفهوم عندما نتحدث بلغة العالم القديم الذي حكمته العشائر والامبراطوريات والسيوف ، لا ننسى ان لابي بكر ولعمر ذكورا وطبعا لم يكن لأي منهما الجرأة على الدعوة لمبايعة ابنائهما من بعدهما ولم يكن المجال يسمح في ظل وجود شخصيات دينية وسياسية صاحبت الرسول في تثبيت دولته.

ابوبكر وعمر هما من سطرا استراتيجية الخلافة حين فرضت الاحداث والحاجة نفسها وكانت سقيفة بني ساعدة اول مطبخ سياسي يخرج منه مثل ذلك القرار الخطير الذي اغصب الانصار وأهل البيت ، عذر ابن الخطاب الذي استأثر بالإمارة لصاحبه ان الوقت او آليات الدولة لم تكن تسمح بتطبيق قاعدة «وأمركم شورى بينكم».....