الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



قصّرت في حق نفسها

المعارضة مسؤولة أيضا عن الأزمة السياسية


بقلم: منور مليتي

مشكلة تونس في طبقتها السياسية ومشكلة الطبقة السياسية في قواها العلمانية بمختلف مرجعياتها الفكرية والسياسية التي أجرمت في حق نفسها وفي حق مسارات نضالها العريق الذي يعود إلى العشرينات من القرن الماضي دون أن تتوصل إلى صياغة قوة سياسية برامجية براغماتية متنصلة من أوهام الإيديولوجيا التي حالت دون تفاعلها مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدها ويشهدها التاريخ التونسي حتى أنها بدت قوى مفتتة متكلسة تفتقد للثقافة السياسية الديمقراطية.

لن يرحم التاريخ التونسي للطبقة العلمانية غباء استماتتها في التمسك بثقافة سياسية واهمة كثيرا ما ارتهنت للطوباوية الزائفة متعففة من البراغماتية الفكرية التي تعد المحرك الأساسي للتفاعل الإيجابي مع اشتراطات خصوصية التجربة الوطنية المدنية لتستكين إلى حالة من التقوقع فرضته على نفسها فرضا رغم ما تتيحه تونس من مساحات واسعة من الحرية السياسية والمدنية ورغم المسحة الليبرالية للمجتمع التونسي.

الطبقة السياسية العلمانية التونسية طبقة مقصّرة نعم مقصرة لا في حق تونس وإنما في حق نفسها لأنها فرضت على نفسها نوعا من الحصار الفكري والسياسي تحت عناوين مختلفة تجاوزتها التجربة الوطنية حتى أنها بدت كما لو أنها طوائف بمعناها الأنثروبولوجي وسط مجتمع غالبية فئاته ذات مسحة ليبرالية صاغتها التجارب التاريخية تكاد تكون متجردة من آليات تحريك أدائها الديمقراطي والرفع من مستويات سقفه.

ما كان لتونس أن تغرق في الأزمة السياسية الحالية التي لا تستوعبها الثقافة السياسية التي تتبناها اتجاهات الرأي العام لو كانت الطبقة العلمانية تتبنى ثقافة سياسية براغماتية قادرة على فك سطوة الطوباوية التي كثيرا ما وقفت وراء بناء قوة سياسية مدنية ديمقراطية برامجية بناء على رصيد التجربة الوطنية وبعيدا عن الهوامش التاريخية التي لم تجن منها سوى ارتهان أدائها إلى ما هو خارج التاريخ السياسي للدولة المدنية.

تعود جذور الطبقة السياسية العلمانية إلى العشرينات من القرن الماضي تاريخ تأسيس مجموعة آفاق على أيادي نخبة من المفكرين والمثقفين من خيرة شباب تونس التي تعد تاريخيا الحاضنة الأولى لمختلف أطياف علمانيي تونس اليوم مهما اختلفت مرجعياتهم الفكرية والسياسية، فقد تركت مجموعة آفاق بصماتها التاريخية ومهدت للعلمانيين مسيرة من النضال الديمقراطي لكن غباءهم السياسي الذي كثيرا ما استخف بدولة الاستقلال وبمكاسبها على هناتها وقسوتها أسدل ستارا من الإسمنت المسلح دون استثمار العراقة التاريخيةوحياكة العراقة إلى رأس مال ومحرك من محركات الانفتاح الديمقراطي.

كانت دولة الاستقلال قاسية بلا شك على خصومها العلمانيين بجميع أصنافهم وفي مقدمتهم التيارات اليسارية الشيوعية والتيارات العروبية فزجت بقياداتهم في السجون وحاصرت نشاطهم لكن الحقيقة الثابتة أن تلك القسوة لم تبلغ درجة الاجتثاث لا في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة ولا في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وهو ما يعني ضمنيا، وربما لا تتفهمه الطبقة، وجود نوع من التسامح المدروس مقارنة بطريقة تعاطي دول بلدان المنطقة العربية مع معارضيها التي ألقت بهم في القبور أحياء يرزقون.

نعي جيدا ما قاساه العلمانيون من معاناة جراء قسوة الدولة ولكن، وليس هذا تبريرا ولا تحاملا، إن الطبقة السياسية العلمانية فرضت على نفسها أن تتنفس اكسجين العملية السياسية من خارج مؤسسات الدولة رافضة أي شكل من أشكال التفاعل معها على الرغم من أنها دولة تقود مشروعا للتحديث الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يسمح ولو بالنزر القليل من الانفتاح على أي تيار شرط الاعتراف بالدولة المدنية وبقيادتها.

حين نتصفح تاريخ تونس المعاصر نكتشف أن قيادات دولة الاستقلال لم تستوعب عدم الاعتراف بها وبقيادتها من قبل العلمانيين والحال أنها تقود مشروعا علمانيا في مواجهة القوى الاجتماعية التقليدية ممثلة في النسيج القبلي في الأرياف والعائلات الأرستقراطية في المدن وأيضا في مواجهة القوى الدينية ممثلة في عدد من الشيوخ المتشددين المحسوبين على الزيتونيين الذين حاولوا وأد مسيرة الإصلاح والطاهر الحداد مثال على ذلك.

ولم تستفد الطبقة العلمانية التونسية من تجارب نظيراتها سواء منها العربية أو الأجنبية التي روضتها التجارب واستثمرت تاريخها والفرص المتاحة لتنتقل من هامش العملية السياسية بل حتى من السجون إلى مؤسسات الحكم تغذيه بالتماعة أفكارها ويغذيها بالترويض على تسيير مؤسسات الدولة وبمنظومة الثقافة السياسية التي تنتصر لمنطق الدولة كفاعل استراتيجي بقطع النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم.

كان رفض المشاركة في العملية السياسية من قبل العلمانيين يأخذ في أذهان رجال الدولة وفي أذهان جزء من اتجاهات الراي العام نوعا من رفض الوضع القائم برمته بما في ذلك الدولة ناهيك عن المكاسب السياسية والتنموية والثقافية على أخطائها والأخطر من ذلك أن الرفض المطلق لم يقد سوى إلى تنازل تيارات تكاد تكون منطوية لا فقط على بعضها البعض وإنما أيضا منطوية على نفسها وعلى مجتمع يتوق إلى التنمية والحرية.

ومن المفارقات أن تونس ما كان لها أن تغرق في أزمات متتالية منذ هبوب عواصف الربيع العربي لو لم تتمسك الطبقة العلمانية بطوباويتها وبعقائدية مرجعية صدئة لا تصلح ولا تصلح وراهنت في بداية الانتفاضة شانها شأن الإسلاميين على استهداف دولة الاستقلال ومكاسبها في حالة من غباء وعيها السياسي بخطورة العقلية الثورجية.

لا أحد بإمكانه التشكيك في طهارة نضالية حزب العمال الشيوعي وفي نضالية حركة الديمقراطيين الوطنيين ولا في نضالية الحزب الشيوعي ولا في نضالية القوميين إذ يحسب لهم أنهم كانوا جزءا من محركات التاريخ الوطني وبالتحديد من محركات الحركة الديمقراطية بصفة عامة التي طافت عليها براغماتية الاسلام السياسي واستثمرتها بناء على أجنداتها وباتت تتبنى مفرداتها بل وتزايد العلمانيين عليها.

لوثة العقائدية والطوباوية لا تطبع فقط الإسلام السياسي ممثلا في النهضة وإنما تطبع أيضا الكيانات السياسية العلمانية التي اختارت التفتت إلى حد التذرّر على أن تتجرد من هوية تجاوزها التاريخ وتنسج خيوطا مشتركة تخترق ستار جدار الإسمنت المسلح وتنتصر للمسار الديمقراطي من خلال بناء قوة ديمقراطية واحدة تتغذى من تعددية المرجعيات الفكرية والسياسية وتفرض نفسها ديمقراطيا كفاعل فعّال في الشأن العام.

اليوم حين نتحدث عن الطبقة العلمانية يكاد الحديث ينحصر أولا في الجبهة الشعبية وثانيا في التيارات القومية وبعض الحزيبات التي لا نعثر عليها في المشهد السياسي اللهم من خلال الظاهرة الصوتية التي تطفوا أحيانا كلما تعلق الأمر بأزمة من الأزمات متجاهلة أنها جزء منها لأنها فاضلت الانتصار لطوباويتها الواهمة على براغماتية العملية السياسية واشتراطات الواقع الموضوعي وحتى على مشاغل التونسيين.

تكاد الطبقة العلمانية تختزل اليوم في الجبهة الشعبية التي تضم ائتلاف 11 حزبا يساريا رغم أن عددا من الأحزاب العلمانية الأخرى تؤثث المشهد السياسي، ومن الإجحاف التقليل من الدور الكبير الذي لعبته الجبهة الشعبية خاصة بشأن ممارسة الضغط الإيجابي على الإسلاميين وعلى نداء تونس وعلى الحكومات المتعاقبة ولنا أن نستحضر مثلا إنقاذ تونس من حكم الترويكا وما رافقها من تنحية النهضة عن الحكم وأيضا مثل تنصيص الدستور على حرية الضمير الذي جاء بضغط نواب الجبهة في المجلس التأسيسي إضافة إلى الضغوط الأخرى التي دفعت بالنهضة إلى التراجع عن التنصيص في الدستور على أن الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع.

اختارت الجبهة الشعبية مقاعد المعارضة وهو من حيث المبدإ اختيار صائب في مرحلة ما خاصة في ظل تحالف النداء والنهضة شانها في ذلك شأن بعض الأحزاب العلمانية الأخرى لكن أن يتحول خيار المعارضة إلى ثابت سياسي متجاهلا التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فهو الخطأ السياسي بعينه وليس من المبالغة في شيئ حين نذهب إلى القول بأن الطبقة العلمانية هي جزء من الأزمة السياسية التي تشهدها تونس لأنه لو ترفعت عن الخلافات البينية الضيقة ولو صاغت من الإيديولوجيا براغماتية محركة للتاريخ لما كان لا للنداء ولا للنهضة السطو على مراكز القرار السياسي والإداري.

تمثل الجبهة الشعبية اليوم لا فقط جزءا من المشهد السياسي بل تمثل التكتل الأكثر مصداقية والأكثر جرأة والأكثر نظافة وترتهن مواقفها إلى نوع من الوفاء للأخلاقيات السياسية ما يجعل صوتا واحدا من أصوات الناخبين لها يعادل عشرات الأصوات للنداء وللنهضة ولكن استماتتها في تحويل عملية المعارضة إلى عقيدة أو ثابت يرفض كل شيء حفر حالة من الفراغ السياسي لم يستفد منه سوى النداء والنهضة.

وفيما يحتاج كل من النداء والنهضة إلى ما يكفي العملية السياسية من أخلاقيات السياسة تحتاج الطبقة العلمانية إلى الحد المقبول من الممارسة الديمقراطية في صفوف مكوناتها وتحتاج ثانيا إلى أن تستفيق من غيبوبة الطوباوية السياسية التي ألقت بها على هامش المشاركة في تسيير مؤسسات الدولة والتعاطي مع الشأن العام بناء على ما يفرضه أي نشاط سياسي من تكتيك مدروس يساعدها على تحمل التنازلات والتضحيات بما يكون كفيلا لها بالانخراط في العملية السياسية من داخلها لا من خارجها.

ما اشتدت الأزمة السياسية الحالية في جانب منها إلا لسلبية القوى العلمانية وما أهلك تلك القوى إلا استعداءها العقائدي للنداء وخطإ الدمج بينه وبين مؤسسات الدولة وما كان للإسلام السياسي ليخطو بنوع الثبات الذي لا يخلو من الارتباك وما كان له أن يستقوي ويمارس شتى المختلات لفرملة التجربة الديمقراطية لولا حالة التفتت التي تشهدها القوى العلمانية والديمقراطية وهي حالة لا نخال أنفسنا مجحفين إذا ما وصفناها بالانتهازية السياسية التي تجعل من المعارضة المطلقة ثابتا ومن المشاركة في الحكم لوثة.