الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة

نقطة ضوء... في آخر النّفق



بقلم: خليل الرقيق

ان انبثاق أي ملمح للتقدم الحضاري داخل ثنايا الأزمة السياسية الراهنة، يعدّ في حدّ ذاته منجزا يكسر نمطية اللحظة، ويعزز شروط المناعة الذاتية لمجتمع حاصرته الطفيليات حتى كاد يضيّع البوصلة والاتجاه...

وكم هو ايجابي أن نقرأ اليوم تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، في قلب لحظة صار فيها المسار الحكومي على اقصى يمين المجتمع...

نحن نتحدث بالطبع عن تقرير هو عبارة عن بلورة تصوّر تشريعي لتنظيم الحريات الشخصية أنجزته لجنة تشكلت بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 111 لسنة 2017 المؤرخ في 13 أوت 2017، بعد خطاب حرّك جدلا واسعا داخل الطيف السياسي والمدني، وربما حرّك نوازع الصدّ والتحصّن بالنص الجامد لدى ذات النطاقات التي حاربت الشابي والطاهر الحدّاد وبورقيبة بمجرّد أن أحست باهتزاز «عرشها» التقليدي المستبد...

كان مطلوبا من اللجنة أن تبحث عن الآليات المفضية الى إصلاحات مرتبطة بالحريات الفردية والمساواة الكاملة بين الجنسين وفق مقتضيات دستور 27 جانفي 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، والتوجهات المعاصرة في مجال الحرّيات والمساواة...

وبعد ثلاثة وثلاثين اجتماعا صدر التقرير الذي نقدم لقرائنا خطوطه العريضة، والتي هي ثمرة عمل نوعي من نخبة تونسية متنوعة الروافد والمشارب الفكرية، موحدة الانتماء الى مدوّنة التنوير والتحديث.

يتمحور التقرير حول جملة من المنطلقات، أهمها مسألة السبق التاريخي، وضرورة التقدم في مسيرة الإصلاح، اضافة الى مقاربة اجتماعية ودينية تنأى بمسألة المساواة عن السطح الظاهر للنص المقدس وتنفذ الى عمقه التأويلي الحيوي القائم على تدبّر المقاصد بالعقل استنادا لسنن التطور ولمتغيرات الزمن...

والى جانب المنطلقات التي تأسست على بديهية أن تونس ذات سبق تاريخي عظيم في محيطها الجغرافي والحضاري كانت له ارتدادات ايجابية على الديناميكية الفكرية في عديد من الدول، احتوى التقرير على بيان مفصل للآلية التشاركية التي انبنى عليها تصور اللجنة ، حيث عملت بالتنسيق مع هياكل الدولة، الى جانب عقد حوارات مع الهيئات الوطنية المستقلة، والجمعيات والنشطاء في مجال الحريات الفردية والمجتمع السياسي والمنظمات المهنية، وأهل الاختصاص من جامعيين وخبراء، هذا الى جانب الانفتاح على المنظمات الدولية والهيئات الأممية المعنية بحقوق الانسان.

وهذا يعني أن عمل اللجنة قد اكتسب البعد الوطني الشامل من جهة، والبعد الكوني الانساني من جهة اخرى، باعتبار ان موضوع الحريات الشخصية ينتمي حضاريا الى سياق التقدم والتنوير في العالم بأسره...

من ناحية تأطير المسألة ضمن المقاربة الدينية المتجددة نص التقرير على الآتي «يولد الانسان حرّا، هذه حقيقة أكدها الإسلام بوضوح حين رسخ حرية المعتقد...وذلك بعد ان منع التدخل في معتقدات الناس ومحاولة توجيههم بالقوة» وواضح هنا ان الاسلام الذي تمظهر في الفضاء الاجتماعي التونسي كمرجعية انفتاح على الآخر، وتسامح وتعايش، لا يمنع جوهريا أيّ نزوع نحو مسايرة تطوّر الزمن، ونحو حرية الشخص العاقل الحرّ غير المكره...

وعلى هذا الأساس، خلص التقرير الى التطبيقات التاريخية لفكرة المساواة وفق روحية المدرسة التونسية المقاصدية، والتي كرّست أسبقية معالجة كافة أشكال الظلم والاستعباد التي تمارس ضدّ المهمشين والمستضعفين، وهكذا كان الغاء الرق في 1846وهكذا كانت الجرعة الإصلاحية الكبرى بسنّ مجلة الأحوال الشخصية في 1956، وهكذا أيضا كان المسار التواصلي لخطاب 31 أوت 2017، والذي اتجه الى استكمال آليات المساواة الكاملة بين الجنسين وتكريس الحريات الشخصية على أساس حرية المعتقد والضمير...

وباعتبار أن «وضعية المرأة في المجتمع التونسي في حالة تغير دائم، وقد طرأت عليها عدة تحولات، وظهرت سلوكيات جديدة أثرت في وضعية النساء بصفتهن فاعلات اجتماعيات» فإن الاشتغال على التشريعات الجديدة قد استحضر هذه الصبغة التطورية وعمل على تكريسها في منظومة قانونية ملزمة، لا فقط في مستوى المواريث (وهو المستوى الذي اشتغل عليه أعداء الدولة المدنية بقوة بعد خطاب الرئيس في 13 أوت 2017)، بل في كل ما يمس بالمساواة بين الجنسين في الفضاء الإجتماعي، وفي كل ما يمسّ بحقوق الفرد الإنسان ذكرا كان أو أنثى كالحق في الحياة والحرمة الجسدية والمعتقد والتفكير والرأي وحرية التنقل وحرية المراسلات والاتصالات...

ومما احتواه مشروع القانون الأساسي الذي اقترحته اللجنة فصول نصت بوضوح على أن الحقوق والحريات الفردية معترف بها ومضمونة للجميع (الفصل 2)، وعلى تحجير التمييز بين المرأة والرجل في الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية والتمتع بها وممارستها (الفصل 4)، وعلى إلغاء عقوبة الإعدام (الفصل 17) وعلى حرية المعتقد والضمير (الفصل 49)، وعلى الحق في الحياة الخاصة والمحافظة على سريتها (الفصل 57)... هذه إضافة الى جملة من المراجعات القانونية التي أفضت الى مقترحات متبلورة أبرزها «ضرورة احترام المواريث لمبدإ المساواة المضمون دستورا» و«المساواة في الميراث حق لكل امرأة» و«إلغاء التمييز في المواريث أمر حتمي»...

مع وضع جملة من الخيارات منها الاختيار الطوعي للمرأة لشكل الإرث بالمساواة من عدمه، وضمان حقها في مراجعة اختيارها، مع اعتبار السكوت علامة على اختيار المساواة...

وقد تبلورت هذه المقترحات أيضا في مشروع قانون أساسي يتعلق بالقضاء على التمييز ضد المرأة وبين الأطفال...

وفي العموم، يعتبر إنجاز هذا التقرير في حد ذاته تحديا كبيرا، أو هو فعلا نقطة ضوء في عتمة الأزمة السياسية الراهنة، والتي وصلت الى حدّ التمكين العبثي لليمين الديني في الشأن الحكومي...

لَكَأَنَّ العقل الحضاري لتونس يشتغل خارج إكراه اللحظة وهذا مطلوب، خاصة إن كان مدفوعا بإرادة راسخة من النخبة الوطنية، وبقرار رسمي شكّل استثناء في عموم المنطقة العربية، رغم كل ما يحيط بالعملية السياسية من معرقلات...

وفي كل الحالات، ورغم التناقض الصارخ بين ما تتجه إليه الدولة من تحديث شامل، وما تقبع فيه الحكومة من انهيار شامل، فإن هذه الخطوات التشريعية المحفزة على التميّز الحضاري والاشعاع الكوني، لا بد أن تواصل الاشتغال بمنأى عن المؤثرات الظرفية إذ أن إسهامها التاريخي يرتقي الى مدارات أسمى من لعبة السلطة، ومن تمظهراتها الآنية، إذ يتعلق برصيد مضاف ستستفيد منه الأجيال القادمة. ومثلما لا يقاس ما فعله الطاهر الحداد بمقياس لحظته الغارقة في مؤثرات الفكر الرجعي المحافظ، مثلما لا يقاس ما فعلته دولة الاستقلال بمقياس محيطها العربي الغارق في تصور جامد للهوية مثلما لا تقاس لحظة 2018 هذه بمقياس ما يحيط بها من طفيليات مشدودة الى نفس الجذر الاستبدادي المتخلّف... إن كل هذه اللحظات تقاس بمعيار فعلها المستقبلي الجوهري، لا بمقياس صعوبات راهنها ومكبّلاته... وفي النهاية أثبتت كل المنعرجات التاريخية أن تونس منذورة للتقدم ولا شيء غيره.