الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تحوير بدافع النجاعة وتجاوز الأزمة:

لماذا استثنى إذن الوزارات الاقتصادية؟!


بقلم: جنات بن عبد الله

...وأنجز يوسف الشاهد رئيس الحكومة ما وعد به من تحوير وزاري على خلفية الاختلافات التي أفرزتها وثيقة قرطاج 2 التي تم اجهاضها عند الولادة، لتتبخر كل محاولة لتصحيح، كما تم التسويق له، التداعيات السلبية لوثيقة قرطاج 1 .

وعند إعلانه عن التحوير الوزاري، كشف الشاهد الغاية منه ممثلا في «إضفاء مزيد من النجاعة على عمل الحكومة ووضع حد للأزمة الاقتصادية والسياسية»، في حين أن التعديل استثنى الوزارات ذات العلاقة بالشأن الاقتصادي من الصناعة والتجارة والمالية والتنمية والتعاون الدولي، ليتضح أن الخلفية الأساسية لهذا التحوير لا علاقة لها بالوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي بقدر ما هو تعديل لموازين القوى لفائدة الشاهد وطموحاته السياسية ولبعض الأحزاب التي لا مشروع اقتصادي لها ولا رؤية ولا رهانات تعمل على كسبها لتوظيف مزايا الثورة لتحقيق أولوياتنا التنموية من خلق مواطن الشغل وتدعيم منظومة الإنتاج وتعزيز القدرات التنافسية للاقتصاد الوطني.

ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الأحزاب هي التي تقف وراء تدهور الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي بالبلاد من خلال مصادقتها على عدد من مشاريع القوانين مثل قانون النظام الأساسي للبنك المركزي وقانون الاستثمار وقانون المنافسة وقانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص وقانون البنوك والمؤسسات المالية ...والتي تشكل تمهيدا للتوقيع على اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي في ظرف لا يسمح للبلاد بمثل هذه المغامرة التي تقود كل مؤشراتها الى هيمنة الجانب الأوروبي على مفاصل الاقتصاد الوطني والقضاء على سيادتنا الاقتصادية والنقدية والوطنية بصفة عامة.

وباستثناء البنك المركزي، لم تبادر أي سلطة، لا تنفيذية ولا تشريعية، ولا حزب سياسي الى تشخيص الوضع الاقتصادي والمالي والتنبيه لمخاطر الاستمرار في خيارات الحكومة.

وما يثير الاستغراب، أن الشاهد لم يشمل في تحويره الوزارات ذات العلاقة بالمجالين الاقتصادي والمالي، ليؤكد بذلك على رضاه على أداء هذه الوزارات وانضباطها في تنفيذ خيارات صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، وهو الذي أعلن في بروكسال ، ودون الرجوع الى مجلس نواب الشعب، عن تعهد تونس بالتوقيع على اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي في سنة 2019 ، موعد رصد له كل شروط التنفيذ بعد هذا التحوير الأخير.

ان الانهيار الحاد للدينار التونسي، والعجز القياسي الذي يسجله الميزان التجاري وميزان الدفوعات، كلها مؤشرات تهدد البلاد بالعجز عن تسديد ديونها الخارجية وعلى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2019 دون مزيد اللجوء الى الاقتراض الخارجي بشروط مجحفة.

وفي الوقت الذي عبر فيه مجلس إدارة البنك المركزي في اجتماعه الأخير بتاريخ 31 أكتوبر 2018 عن قلقه إزاء القطاع الخارجي المتعلق بعجز الميزان التجاري وميزان الدفوعات، يتباهى رئيس الحكومة بإنجازات حكومته بتحقيق نسبة نمو للناتج المحلي الإجمالي بـ 2.6 بالمائة ساهم فيها القطاع الفلاحي بنسبة 1 بالمائة كاملة بفضل عوامل مناخية.

هوة عميقة بين تقييم سلطة تنفيذية عززت موقعها في السلطة استنادا الى سلطة تشريعية لا ولاء للكتل الحزبية المكونة للائتلاف الحاكم الا للمصلحة الحزبية بعيدا عن رهانات السيادة الوطنية، وتقييم سلطة نقدية حملها الفصل 29 من القانون عدد 35 لسنة 2016 مؤرخ في 25 أفريل 2016 يتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، مسؤولية «دعم السياسة الاقتصادية للدولة»، و«اقتراح التدابير التي من شأنها أن تؤثر إيجابيا على ميزان الدفوعات ومستوى الأسعار وحركة رؤوس الأموال وعلى وضعية المالية العمومية وبصفة عامة على نمو الاقتصاد الوطني».

هذه الهوّة مرشحة الى مزيد الاتساع بين السلطتين مقابل أزمة مالية خانقة مرشحة الى مزيد التأزم في ظل مناخ سياسي و«استقرار حكومي» جديد لا أولوية له سوى البقاء في السلطة والاعداد لانتخابات 2019 .

ولئن يعول التونسي اليوم على السلطة النقدية في غياب دور المجتمع المدني وضعف المعارضة، للدفع نحو تحميل السلطة التنفيذية مسؤوليتها في تدهور الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي، فذلك من منطلق الصلاحيات التي أوكلها لها قانون النظام الأساسي للبنك المركزي لاقتراح تدابير لإيقاف نزيف التوريد ونزيف الدينار التونسي واختلال التوازنات المالية الخارجية.

لقد خيّبت الأحزاب السياسية آمال التونسي ليستنصر بالاتحاد العام التونسي للشغل من جهة، والبنك المركزي من جهة أخرى، كقوى فاعلة في المشهد السياسي والمالي والاجتماعي لتجنيب البلاد مزيد الانزلاقات والأخطاء.

ولئن لا يزال الاتحاد العام التونسي للشغل يهدد بالإضراب العام في أواخر هذا الشهر فان أمام محافظ البنك المركزي آليات هو مطالب بتوظيفها من باب الواجب الوطني وحماية سيادتنا الوطنية.