الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



«النّهضة» تقوم بتحوير على «غير الصّيغ القانونية» :

انقلابٌ على الصندوقِ .. وانْفرادٌ بالحُكْمِ !



بقلم: الهاشمي نويرة

... وأخيرا قام رئيس الحكومة بالتحوير الوزاري، وقد كان حدثا بكلّ المقاييس فهو أوّلا، «تحويرٌ على غير الصِّيغ القانونية» والدستورية مِنْ حيث الإجراءات وكذلك مِنْ حيث محتواه وهو أيضا تحوير يكشف مرّة أخرى العاهة المستديمة التي يشكو منها النظام السّياسي الذي خِيطَ على مقاس حركة «النهضة» إنْ كانت في حالة ضعف أو في حالة قوّة، وهو بالخصوص تحويرٌ استرجعت به ومِنْ خلاله حركة «النّهضة» الموقع الرئيسي والسّلطة الفعلية في الحكومة التي يرأسها يوسف الشّاهد و«تُزَيِّنُها» وجوهٌ راوحت بين الإنتهازيّةالمقيتة والحسابات الخاطئة مع توفّر ظرف تشديد هو الغباء السياسي وحتّى الفعلي.

جاء التحوير الموعود ليزيد إذن مِنْ تمكّن حركة النّهضة مِنْ دواليب الحُكْمِ واسترجعت الحُكْمَ كاملا بعدما أخرجتها صناديق الإقتراع مِنه سنة 2014 مع وجود «قيمة مضافة» هي أنّها أَحْكَمَتْ هذه المرّة تزيين وتزويق سلطتها المطلقة وذلك بادخال وجوهٍ مِنَ «النّداء» رغْمًا عن حزبهم، ومِنَ المشروع، ولا شيء يدلّل على أنّ الأمر داخل هذا الحزب على ما يُرام خصوصا بعدما كان دخوله الى حكومة الشّاهد مقابل حقائب «وزارية» فارغة مِنْ أيّ محتوى وفاقدة لأيّ تأثير ومنها ما هو شبيه بمنظمة غير حكومية أكثر منها وزارة وحتّى الوزارة التي تتمتّع بثِقَلٍ كبير وهي وزارة الصّحة، وزارة أصبحت تمثّل عِبْءًا ثقيلا على «النّهضة» وهي وزارة مأزومة واعتقادنا أنّه مِنَ الغباء السياسي مَسْكُ حقيبة قبل أقّل مِنْ عَامٍ على موعد الاستحقاق الانتخابي وتحمّل تبعات ومسؤولية سياسات النّهضة وأخطائها، ولكن مرّة أخرى تأتي البرهنة بأنّ صاحب «المشروع» يشتغل في السياسة بأدوات المنظمة غير الحكومية وبعقلية الهواة.

الحكومة إحتوت كذلك على تفاصيل أحزاب ومنها السّيد كمال مرجان الذي شغل منصبي وزير الخارجية والدفاع في عَهْدِ الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ثمّ أصبحت له طموحات رئاسية بعد 14 جانفي 2011 وتملّك به هَوَسُ الرّئاسة واعتبر أنّ سبيله الوحيد لنَيْل مُرَادِهِ هو حركة النّهضة ومنذ أزيد من 6 سنوات وهو ينتظرلَفْتَةً مِن هذا الحزب الذي استرجع هويّته وسياساته كحركة مِنْ حركات الإسلام السياسي، وهي لَفْتَةٌ لَنْ تأتي مطلقا خصوصا بعدما أصبحت لزعيم «النهضة» طموحات غير خافية في الوصول الى قصر قرطاج.

مرجان، «بَعْدَ السّيف علّق مِنْجِلْ» ورضي في إنتظار الأفضل بـ «حقيبة وزارية» كان يُمكن أن يضطلع بها مدير عامّ في ادارة مركزية.

وتلخيصا نقول أنّ حكومة «الائتلاف الوطني» تتكوّن مِنْ حركة «النهضة» ومن يوسف الشاهد محفوفا بشِلّةٍ من وزراء تمرّدوا على أحزابهم أو هم مِنْ غير حزب أصلا ومِنْ «صاحب المشروع» الذي كان يريد تزعّم المعارضة بعد تعيين يوسف الشاهد بناء على وثيقة قرطاج الأولى قبل أَنْ يُفْهِموه أنّ التونسيّ ميّال الى صاحب السّلطة وهو ـ أيْ التّونسي ـ مستعدّ أن «يغفر الأخطاء والذنوب كلّها» لمَنْ هو في السّلطة وصاحب المشروع أصبح اليوم حِزْبًا «حَاكِمًا» والله أَعْلَمُ ووضعه الجديد مِنْ شأنه أن يَجُبّ «ذنوبه السابقة»،

الحكومة يرأسها إذن يوسف الشاهد الذي تمكّنت منه «عُقْدَةُ الأَب» وأصبح بلا مأوى حزبي بعدما فشل في اختراق حزب «نداء تونس» أو تدميره أو الاستحواذ عليه وهو الآن يتهيّأ بالتأكيد لإعداد بيت حزبيّ يأويه ومثلما تكفّلت «النهضة» سابقا بالمساعدة في تأسيس أحزاب أخرى ستقوم بكلّ ما في وِسْعِهَا لإنجاح مشروع الشّاهد لأنّها بالتأكيد لا تعوّل كثيرا على «مشروع» محسن مرزوق،

حكومة يوسف الشّاهد شَكْلاً وقد يكون هو رُبّان السفينة ولكنّه يعمل بالتأكيد تحت إِمْرَةِ زعيم حركة «النّهضة» الذي استخلص بالتّأكيد الدروس مِنْ علاقة الشّاهد برئيس الجمهورية الباجي قايد السّبسي وهو لذلك غير مستعدّ أن يكرّر معه نفس الأخطاء فضلا عن كون رئيس الحكومة يوسف الشاهد هو مجرّد حلقة ـ هو وجماعته ـ سياسة النّهضة وأجندتها وبرامجها ولن يكون له أيّ وُجودٍ مستقلٍّ عنها حتّى وإن حاول ذلك ..

إنّ حكومة الشاهد الآن وبعد اعلان التحوير مكّنت «النهضة» مِنْ وَضْعِ اليَدِ على كلّ الحقائب ذات الأهميّة الاقتصادية والإستراتيجية، اذ واضافة الى الحقائب الوزارية الهامّة التي ما تزال بحوزة «النهضة» كتكنولوجيا الاتصال والتنمية والإستثمار والتعاون الدولي والاصلاحات الكبرى أضافت الى رصيدها حقائب العدل وما أدراك ما العدل، والتكوين المهني والتشغيل وأملاك الدولة والتجهيز والاسكان والصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والرياضة والشّؤون المحليّة والبيئة والسياحة بالتبنّي السياسي والتجارة مناصفة مع الشاهد، وقد بدا لنا أن «النهضة» مِنْ خلال هذا التحوير قرأت حسابا لكل شيء وهي تعي أنّها في سنة انتخابات، إذْ مسكت كلّ شيء استراتيجي، خصوصا اذا علمنا ان الشؤون المحليّة هي بوابة العديد من الخدمات والانتدابات وقد خصّها قانون المالية بـ 1000 مليار للسنة المقبلة، وكذلك قطاع المؤسسات الصغرى والمتوسطة الذي يمثّل أكثر من 95 في المائة من مجمل المؤسسات في تونس فضلا عن قطاع استراتيجي كقطاع الرياضة حيث نصّبت على رأسه أحد قيادييها، النهضة اذن قامت بتوزيع وزارات ثانوية التأثير وتفرّدت بالباقي ..

وكلّ الوزارات المهمة هي ممسوكة مِنَ «النّهضة» سواء كان ذلك بصفة مباشرة أو عن طريق يافطة المستقلين المدفوعين مِن الحركة ..

والحالة هذه، يحقّ لنا التّساؤل حول مدى وَعْي يوسف الشّاهد بما فَعَلَ، فهو الى جانب اغتياله لإرادة الناخب والانقلاب على صناديق الاقتراع واعطاء السلطة على طَبَقٍ إلى حركة النّهضة مُستغِلاَّ أو هو مدفوع منها لاستغلال ما أفرده به الدستور مِنْ سُلطات رغم كونه خاضعا للتّعيين، الى جانب كلّ هذا حاول ويحاول تمهيد الطريق لها مِنْ أجل الاستمرار في الحُكْمِ لعقود قادمة، وهو هدف لا تُخفيه حركة «النّهضة» ..

نحن فهمنا وعرفنا وقدّرنا أنّ صاحب «المشروع» لا يهمّه استمرار «المشروع» ما دام كشخص هو مستعدّ لركوب أيّ مشروع آخر، ونحن نبّهنا الى أنّ يوسف الشاهد سَقَطَ في هاوية لا قَاعَ لها وأن انتشاله منها أضحى مستحيلا خصوصا بعدما أحرقت «النّهضة» كلّ أوراق وقوارب النّجاة التي كانت بحوزته، ولكن إذا كنا نرُدّ كل سلوكيات حلفاء «النهضة» الجُدُد الى الغباء الإنتهازي فإنّ ما تأتيه «النّهضة» لا يعدو أن يكون هو الآخر غباء رِجْعيّا هو الذي يجعلها تَحْفِر قبرها كلّما خالت نفسها تمكّنت مِنْ حَلٍّ لأزمتها.

إنّ النّهضة تَحْكُمُ الآن وقد صُحَّ القول بأنّ حكومة الشاهد ومَنْ معه هي حكومة «النّهضة» وهو أَمْرٌ قد لا يتحمّله بعض أفراد الحكومة على المدى القريب والمتوسّط، ولكن لا بدّ مِنَ التذكير بأنّ باقي مؤسسات الدولة إمّا هو معطّل كالبرلمان أو هو صاحب زاوية نظر مختلفة في الحُكْم كرئاسة الجمهورية، وفي البرلمان قد تتعطّل أشياء وأشياء وفي رئاسة الجمهورية فانّ رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وهو بصفته تلك سيتدخل بشَكْلٍ مِنَ الأشكال في كل ما يَهُمّ السّير العادي لعمل الحكومة بَدْءًا بترؤسها عند الاقتضاء، وهو الى ذلك صاحب القول الفصل في السياسة الخارجية وهو القائد العام للقوات المسلحة وهو بالخصوص وبمقتضى الدستور هو رئيس مجلس الأمن القومي، وبعد هذا وذاك هو ما يزال المرجع الأساسي لحزب «نداء تونس» ورئيسه المؤسّس، ما يعني أنّ «النّداء» لم يَعُد في الحكومة ولكنّه في البرلمان وفي الدولة عموما .. هو يعارض «النّهضة» ومن قبل بلعب دور التيّاسة لديها ولكنه في صميم الحُكْم ولا يصنّف نفسه معارضة» هكذا ذكر لنا قيادي في حزب «النّداء» مضيفا انه «يبقى دوما بمقتضى الدستور الحزب الفائز في الانتخابات وأنّ ما أتَتْهُ النّهضة هو انقلاب سَافِرٌ على إرادة الناخب وعلى الديمقراطية وهي حالة لَنْ تدوم».