الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



حتى برفض الرئيس:

... التحوير الحكومي أمر واقع...؟؟


بقلم: لطفي العربي السنوسي

الصحافة اليوم:ما معنى ان يرفض رئيس الجمهورية التوقيع على التحوير الوزاري الذي أجراه وأعلنه يوسف الشاهد مساء أول أمس...؟ ما هي تداعيات هذا الرفض على الساحة السياسية التونسية وعلى العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية ...؟ وهل هذا الرفض من شأنه ان يعطل مرور الحكومة الجديدة ليوسف الشاهد برلمانيا...؟

سعيدة قراش الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية أكدت أول أمس في تصريح لها بأن الرئيس الباجي قائد السبسي غير موافق على التحوير الوزاري وأنه لم يتم التشاور مع رئيس الجمهورية حول التحوير رغم اعلامه به في ساعة متأخرة وان الرئيس غير موافق على هذا التمشي لما اتسم به من تسرع لوضع الرئيس السبسي أمام الأمر الواقع...

في اعلانه عن التحوير تكلّم السيد يوسف الشاهد بنبرة متعالية في غير موقع التعالي ـ مضخما ذاته وقد نفخ في «الأَنَا» عاليا بقوله «قرّرت اجراء التحوير .. الخ» وفي ذلك تحدّ لكلّ من حوله وتقزيم لوجودهم ـ أصلا ـ بما في ذلك رئيس الجمهورية وفي نبرته أيضا ما يؤكد ما ذهبت اليه الناطقة باسم القصر الرئاسي بأن الشاهد لم يستشر احدا في تحويره واكتفى بوضع الجميع ـ وخاصة الرئيس السبسي ـ أمام الأمر الواقع بما في ذلك اتحاد الشغل ونداء تونس...

يوسف الشاهد ـ وإن اخطأ «اخلاقيا» ـ فإنه ـ في الواقع ـ تصرف وفق صلاحياته الممنوحة له دستوريا ولم يخطئ في ذلك بل تحرك في منطقته دون تجاوز لها ووفق منطوق الفصل 92 من الدستور والذي يؤهله بصفته رئيسا للحكومة إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط صلاحياتها وإقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة دون الحاجة الى المرور عبر المجلس النيابي على ان يتشاور مع رئيس الجمهورية اذا ما تعلق الأمر بوزيري الخارجية والدفاع ـ والشاهد ابقى في تحويره على الوزيرين المشار اليهما (الخارجية والدفاع) وبالتالي هو غير ملزم ـ دستوريا باستشارة رئيس الجمهوية...

فهل أوقع الشاهد رئيس الجمهورية في مأزق حقيقي ووضعه ـ بالتالي ـ أمام الأمر الواقع ـ كما في بلاغ الرئاسة...؟ وهل من مخرج للرئيس من هذا المأزق ومن هذا الاحراج أمام مواطنيه...؟؟

لا يبدو ذلك سهلا ـ في الواقع ـ اذا ما عدنا الى تحكيم الدستور حيث يتأكد لنا أن رفض الرئيس السبسي التوقيع على التحوير لا معنى له بل ان الشاهد ـ في هذه الحال ـ غير مطالب ـ أصلا ـ بالذهاب الى مجلس نواب الشعب لتمرير الحكومة بعد تحوريها (الفصل 92) وغير مطالب أيضا بالبحث عن شرعية جديدة لحكومته في المجلس النيابي وفق الفصل 89 بما أنه قد نال الثقة والشرعية النيابية عندما تم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية في أول مرة وباعتماده على الفصلين المذكورين (89 و92) يصبح تحويره الحكومي غير معني بما ورد في الباب التاسع من الدستور وخاصة فصوله 142 و143 و144 المتعلقة بمنح الثقة للحكومة أو أحد أعضائها باعتبار انه قد تم تطبيق هذه الفصول في التكليف الأول وتصبح ـ الآن ـ متروكة بما أن التحوير الأخير قد رجع واعتمد على الفصلين (89 و92) وعليه فإن السيد يوسف الشاهد ـ وكما هو واضح ـ قد مارس صلاحيات دستورية كاملة ليضمن المرور بالقوة الناعمة دون الحاجة الى المجلس النيابي ومن المتوقع ان يذهب الى المجلس باعتبار ما له من ضمانات مريحة بيد كتل الحركة الاخوانية والمشروع والائتلاف الوطني وما جاورها من المستقلين ما يؤهله لتحصيل الـ 109 أصوات وأكثر بارتياح ودون منغصات...

بقي منفذٌ غير آمن للرئيس السبسي للخروج من هذا المأزق وهو عدم قبول الوزراء الجدد لتأدية اليمين أمامه بالقصر الرئاسي ما يعطل عمل الحكومة وهذا منفذ لن يذهب إليه السبسي ـ اطلاقا ـ بما أنه سيعتبر متخليّا عن صلاحياته الدستورية وهذا غير ممكن ومحرج سياسيا ودستوريا بطبيعة الحال.

وبامكان الشاهد في مثل هذه الحال ان يكتفي باصدار أمر تعيين لوزرائه الجدد بالرائد الرسمي دون الحاجة الى تأدية اليمين وبامكانه ـ أيضا ـ ان يطلب من المجلس الأعلى للقضاء ان يؤدي وزراؤه الجدد اليمين أمامه باعتبار غياب المحكمة الدستورية وعليه فإن رفض الرئيس أن يؤدي وزراء الشاهد الجدد اليمين أمامه في القصر الرئاسي قد يرتدّ عليه وقد يدفع به الى مآزق أعمق...!؟

بقي أن الرئيس السبسي بامكانه ـ أيضا ـ ان يدفع وزير الدفاع ووزير الخارجية الى الاستقالة لتعطيل العمل الحكومي بما أن صلاحيات تعيينهما متقاسمة دستوريا بينه وبين رئيس الحكومة وهذا أيضا غير ممكن اخلاقيا وسياسيا لكنه ممكن دستوريا في حالات التصعيد القصوى...

كما بامكان الرئيس ـ بحثا عن مخارج من المأزق ـ أن يدعو وزراء النداء للاستقالة من الحكومة وهذه أيضا صعبة بما أن الوزراء المعنيين قد أعلنوا منذ مدة فكّ ارتباطهم بالنداء...

لقد استعصى السيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الرئيس وقد فشلت كل مساعيه لازاحته منذ انقلاب النهضة على وثيقة قرطاج الثانية وتمكن من الدفع بالسبسي الى زاوية حادة واحراجه ـ بالفعل ـ أمام مواطنيه ولم يترك له مجالا للتحرك وأمامه ـ الآن ـ خيار وحيد وصعب قد يكون ثمنه باهظا على «الرئيس» اذا ما قرر اللجوء الى الفصل 99 من الدستور (الذي ابقاه معلّقا) ولهذا الفصل مزالق كبرى يؤكدها منطوقه وهو ينص على أنه اذا ما طلب الرئيس السبسي من مجلس نواب الشعب سحب الثقة من رئيس الحكومة فإنه وفي هذه الحال واذا لم يتم سحب الثقة في مرة أولى وثانية من الشاهد وحكومته فإنه على رئيس الجمهورية ان يستقيل .. والرئيس السبسي يدرك هذه الحقيقة الدستورية التي تعقدت خاصة بعد تغيّر المعادلات في المجلس النيابي بحيث يصعب سحب الثقة من الحكومة ورئيسها حين التقاء كتلة الائتلاف الوطني مع كتلة النهضة وحركة المشروع.

الرئيس السبسي ـ كما يبدو ـ قد خسر كل اوراقه في معركته مع رئيس الحكومة ولم يبق أمامه غير التسليم بالأمر الواقع... وقد وقع بالفعل...!!