الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



يدعم حربه ضدّ الظلامية

ماكــــرون يضـــع الرئيــــس في عُلُــــوٍّ شَاهِــــــــقٍ



بقلم: الهاشمي نويرة

جاءت قمّة الدول الفرنكوفونية التي تمّ افتتاحها أمس في أرمينيا في توقيت دُوَلي عاد فيه الحديث مجدّدًا وبقوّة عن عودة الإرهاب والفكر المتطرّف، وفي توقيت وطني تونسي تعرف فيه بلادنا أزمة سياسية خانقة بدأت ملامح التعَفُّنِ فيها «تفوحُ» ..

ودقّة المرحلة والتَوقيت يفرضان علينا متابعة دقائق الأمور والتقاط الرسائل وتفكيك شيفرتها.

ولسنا نحتاج الكثير مِنَ البراهين للتدليل على أنّ حروب السياسة عندنا تدنّت الى مستويات وضيعَةٍ وهي تُخاض في الأدران وفي مجاري المياه العَفِنَةِ وتُسْتَعْمَل فيها كلّ الوسائل المنحطّة وتُنْتَهَك فيها كلّ الفضائل والأخلاق وتطغى فيها المصالح الضيقة على مصالح الأوطان وعلى المبادئ ويتدنَّى فيها مستوى الفَرْدِ والجماعة ويستطيل فيها «القِصَارُ» فيتطاولون على كِبَارِهِمْ ويرتدّ الذّكاء أمام سَفَالَةِ ووَقَاحَةِ الأغبياء مِنّا، فتفسد قواعد اللّعبة بما أدّى وسيؤدِّي الى مزيد الخراب والدّمار والانحطاط الأخلاقي والسياسي.

.. وانّ قرار فكّ الإرتباط مع «النّهضة الاخوانية» بعد محاولاته اليائسة لترويضها «مدنيّا» هو قرار مِنَ الرئيس «بتَرْكِ أَهْلِ البَلاء للبلاء»وتَرْكِ مسؤوليّة الحُكْم لَمَنْ أَبْدَى هَوَسَهُ به، وقبل ذلك وبعده أشْهَدَ المواطنين عامّة ونخبة وأخلى مسؤوليته مِن السياسات والأشخاص وأوضح أنّ المهام التي أثقل بها الدستور كاهله لَمْ يمكّنه هذا الدستور مِنْ الوسائل الضرورية لتنفيذها.

وفي المقابل بقيَ الرئيس متعاليا عن الصراعات ولكنّه يُديرها مِنْ باب البُعْد الرّمزي لمؤسّسة الرّئاسة والكاريزما الشخصيّة التي يتمتّع بها والقدرة على فرض الخطّ الاصلاحي الذي يعبّر ويعكس تفرّد النموذج الحضاري التونسي ...

.. وحيث لازمت الحُكومة الصّمت المطلق بكامل أعضائها حول المشروع الاصلاحي الكبير الذي تعلّق بالمساواة بين الجنسين ـ وهو صمت أملته الحسابات المصلحية الضيّقة في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة وكذلك كسب ودّ حركة النهضة ـ قابل صمت الحكومة هذا فيضٌ من التفاعل الدولي الدّاعم للمبادرات الاصلاحية التاريخية ..

وآخر ما طَالَعَنا مِنْ دَعْمٍ ما ورد على لسان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي حيّى خلال الجلسة الافتتاحية لقمّة الفرنكوفونية أمس في أرمينيا «الشجاعة الاستثنائية» لرئيس الجمهورية الذي تجرّأ على طرح قضيّة المساواة والحريّة في محيط تسيطر عليه قوى الظلام وطالب ماكرون الجميع «بالوقفة معه في حربه ضدّ الظلامية» ..

كلام ماكرون جاء في لقاء يصنّف على المستوى الدبلوماسي باللقاء متعدّد الأطراف وهو اطار ليس من المعتاد في العُرف الدبلوماسي أن يُقال فيه مثل هذا الكلام في شخصيّة ما إلاّ في حالات نادرة جدّا .. وهو كلام ان قيل فيكون ذلك على سبيل المجاملة وفي لقاءات ثنائية.

لذلك فإن هذا التفرّد والاستثناء لشخص الباجي قائد السبسي يترجم دَعْمًا له في «الحرب ضدّ الظلامية» وهي حرب أشمل مِن الحرب ضدّ الارهاب .. هي حرب ضدّ الأسس الماديّة والفكريّة والبنى السياسية التي تؤدّي الى ظاهرة الارهاب.

وماكرون من خلال كلمته بعث برسالة واضحة المعالم للداخل التونسي تحديدا والذي يعيش تفاعلات أزمة سياسية ومفادها أن العالم الحرّ غير محايد في الحرب ضدّ الظلامية وضدّ كلّ القوى التي لم تحْسَم أمرها مع التطرف وضد تلك القوى التي مثلت وتمثّل حواضن للارهاب والارهابيين.

ولا مفرّ والحالة هذه من التقاط رسالة ماكرون في علاقة بالأزمة السياسية بتونس، اذ تُبرز بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ المحيط الدولي ما يزال يتوجّس مِن حركات الاسلام السياسي.

وقد زاد فشل التجربة التونسية في محاولات ادماجهم في منظومتي السياسة والحُكمِ في ترسيخ هذا التوجّس والتخوّف.

واعتقادنا أنّ الرئيس كان صادقا في السّعي الى ادماجهم وتغيير ما بأنفسهم ولكنّ عدم معايشته لطبيعتهم ولطبيعة إدارتهم للصرّاعات أوقعاه في خطإ التقييم .. قبل أن يُعيد حساباته..

ومنذ أكثر مِنْ سنة نقلنا عن رئيس الجمهوريّة قوله أنّ التّوافق مع حركة «النهضة» يحتاج الى اعادة تقييم وقد شكّك حينها بَعض قياديي «النهضة» في محتوى ما نشرنا ونسبوه الى تأويل الصحفي ..

وبالرغم من أن موقف الرئيس حينها كان مُلطّفًا قياسا بما قاله في خطاب 13 أوت 2017 حيث عبّر عن «ندمه» جرّاء التوسّط لحركة «النهضة» وتقديمها الى الغرب على أنّها قوّة وسطيّة وتعبّر عن «الإسلام التونسي»، إلاّ أنّنا لَمْ نَشَأْ الدخول وقتها في جدل حول الموضوع لأننا لسنا في موقع يسمح لنا بكشف حقيقة الموقف الذي بدأ يترسّخ في ذهنِ الرئيس من حركة «النهضة» والتي أظهرت تطوّرات الأحداث حقيقة موقفهامِنَ المسألة الديمقراطية ومِنَ الملفّات الحارقة التي تشغل بال المواطن ..

وأدّعي أنّي مِنْ شهود العيان على تطوّر موقف رئيس الجمهوريّة بخصوص العلاقة مع حركة «النّهضة» بَدْءًا بتمسّكه الشديد بضرورة استمرار التوافق معها ومع رئيسها راشد الغنّوشي ومرورًا بثقته المبالغ فيها في حُسْنِ نوايا «الشيخ» ووصولا الى الاقتناع بضرورة فكّ الإرتباط مع «النّهضة» بعد التَيَقُّن بأنّ جوهر تفكير وممارسات هذا الحزب يبقى غير بعيد عن طبيعة وكُنْهِ حركات «الاسلام السياسي».

.. وقد طُلب مِنْ رئيس الجمهورية مؤخّرا إبداء رأيه حول هذا الموضوع ونَصَحَ وِفْقَ ما توصّل اليه مِنْ استنتاجات في تجربته مع حركة «النهضة» ومع شيخها، كَاشِفًا الجانب المناوراتي في سلوكيات ومواقف «النهضة» ..

ومعلوم أنّ الكونغرس الأمريكي يعقد يوم 18 أكتوبر الجاري جلسة عامّة لدراسة قرار تقدّمت به لجنة الشؤون الخارجية حول «الاسلام السياسي» .. وهذه اللجنة كما لا يخفى على أَحَد ذات نفوذ كبير داخل الكونغرس الأمريكي.

وللتّذكير فإنّ وَفْدًا مُهِمّا من الكونغرس أدّى زيارة يوم 9 أكتوبر 2018 الى تونس وتقابل فيها مع رئيس الجمهورية ومع رئيس الحكومة ولم يلتقِ فيها مع حركة «النهضة» التي جوبهت كلّ محاولاتها في هذا الخصوص بالرفض التام بحسب ما ورد علينا مِنْ أخبارٍ ..

الموقف إذن شديد الوضوح «نهضة» أخطأت مرّة أخرى تقدير الموقف وأخطأت التحالفات وأبقت على طبيعتها المناوراتية، وبركانٌ من المعلومات في الأفق يهدّد وجودها السياسي والفعلي، وبالتوازي ما انفكّ الطّوق ينحسر حول رقبة الاسلام السياسي دوليا، ورئيس خَالَ البعض أنّه خسر كلّ أوراقه، فتضعه قمّة دولية فوق السحاب كما يقول التعبير الفرنسي ليُطلّ مجددا من فوقٍ على وضع الصراعات المتردّي عندنا ويعود حاملا معه كلّ الورقات التي كان يُخفيها ..

كلمات قليلة قالها ماكرون ولكنها أظهرت أنّ مِن الزعماء من معدنه يرتقي بالدّول ومنهم من يحطّ منها فتردّ الى زوال..