الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الصّفقات العمومية وخسائر بالمليارات :

هل يتسنّى للتطبيقة الجديدة تطويق الفساد؟



إعداد: شكري بن منصور

في مسعى لمزيد إرساء الشفافية والحوكمة فرضت الحكومة على المؤسسات العمومية إبرام صفقاتها عبر منظومة الشراء العمومي على الخط بداية من غرة سبتمبر 2018. وبموجب قرار صدر بالرائد الرسمي في 31 جويلية 2018 حددت المبالغ الدنيا للدخول في هذا النظام الذي يتضمن 4 منظومات رئيسية عند أو فوق 200 ألف دينار بالنسبة الى الأشغال العامة و100 ألف دينار بالنسبة الى الدراسات والتزود بمواد وخدمات في مجال الإعلامية وتكنولوجيات الاتصال و100 ألف دينار للتزود بمواد وخدمات القطاعات الأخرى و50 ألف دينار للدراسات. وتحظى الشراءات العمومية بأهمية كبرى في دفع النمو في تونس ودفع عملية الإصلاح ومزيد توفير الشفافية والنجاعة والنزاهة والمساواة. و تندرج المنظومة الجديدة ضمن شروع تونس منذ سنة 2011 في القيام بإصلاحات هيكلية لمنظومة الصفقات العمومية وفق مقاربة تشاركية بإنشاء وتكليف لجنة وطنية لتنسيق ومتابعة الإصلاحات في هذا القطاع ضمت كل الأطراف ممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني والقطاع الأكاديمي والتي كان من نتائجها وضع مخطط وطني للنهوض بمنظومة الصفقات العمومية وإعادة هيكلتها بإصدار الأمر عدد 1039 لسنة 2014 المتعلّق بتنظيم الصفقات العمومية.

وعلاوة على ذلك ستتحول المنظومة الوطنية للشراء العمومي على الخط ( TUNEPS) إلى أداة إلكترونية فعالة وركيزة من ركائز مكافحة الفساد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المنظومة حظيت بإشعاع وتقدير دولي وتحصلت على جائزة عالمية في مجال الحوكمة المفتوحة خلال القمّة العالمية التي انتظمت في المكسيك أكتوبر 2015 . كما كانت محل اهتمام كل المؤسسات المالية المانحة وتحصّلت على عديد التمويلات الإضافية من قبل عديد الهيئات والمنظمات الدولية.

فما هي أهمية رقمنة الصفقات العمومية وما هو مدى مساهمة التطبيقة الجديدة في الحد من الفساد؟

يندرج إطلاق التطبيقة الجديدة للشراءات العمومية tuneps ضمن مشروع تونس الرقمية 2020 الذي سيمكّن البلاد من أن تصبح الأولى إفريقيا في مجال الاستثمار بالاقتصاد الرقمي.

وتقدّر تكلفة مشروع تونس الرقمية الذي سيتم إنجازه خلال الـ 4 سنوات القادمة (2018 – 2022)، بحوالي 400 مليون دينار ويتحمل البنك الإفريقي للتنمية تمويل المشروع بقرض قيمته 71.56 مليون يورو وتتحمل وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي التونسية باقي نفقات المشروع الذي سيحقق لتونس نقطة أو اثنين في النمو وسيحقق لتونس الشفافية التامة في التعاملات بين المواطنين والدولة وسيقطع دابر الفساد من الدولة وسيكون مربح في علاقة بالوقت والتشغيل.

خسائر كبيرة

انتصار العرفاوي المستشارة القانونية لمنظمة «أنا يقظ» أوضحت لـ«الصحافة اليوم» أن الشروع في اعتماد منظومة الشراءات على الخط سيساعد بدون أدنى شك في ترسيخ الشفافية لكنها في نفس الوقت لن تحل جميع الإشكالات لان المشكل الأساسي مرتبط بكيفية تطبيق هذه المنظومة. لذلك من الضروري أن تبدي الإدارة التونسية التزامها بتطبيق ما جاء في مرسوم رئاسة الحكومة وكذلك التزام أجهزة الرقابة المختلفة بذلك وممارسة دورها في هذا الاتجاه. وتشير التقديرات إلى أن ٪25 من إجمالي الصفقات العمومية تذهب إلى جيوب الفاسدين مما يتسبب في خسائر كبيرة للدولة وينعكس الفساد في التصرف في الشراءات العمومية سلبا على التنمية . وشددت على أن مهمات الرقابة والتفقّد والتدقيق بالهياكل العمومية خلصت إلى أن الفساد في الصفقات العمومية مرتبط شديد الارتباط ببارونات الفساد «المتمعشين» من الدولة وهم من داخل جهاز الدولة في أغلبهم. وتمثل الصفقات العمومية حوالي ٪18 من الناتج الداخلي الخام و٪35 من ميزانية الدولة . وتتسبب هذه الظاهرة في خسارة الدولة سنويا آلاف المليارات،من جرّاء فساد موظفين وتواطئ عديد المسؤولين الحكوميين. وتقدر هذه الخسائر بفقدان نقطتين من النمو وخسائر بحوالي ألفي مليون دينار.

ويتطلب نجاح المنظومة الجديدة للشراءات العمومية توفير وثيقة تتيح التعرف على جميع المناقصات وطلبت العروض لتسهيل عمل من يرغب في المتابعة والمراقبة من منظمات المجتمع المدني وغيرها وحتى المواطنون العاديون في إطار حقهم في النفاذ إلى المعلومة الذي يكفله القانون للجميع. و نظرا لان أغلب مواقع الوزارات والإدارات التونسية غير محينة أصبح من الممكن الدخول إلى موقع وحيد هو www.tuneps.tn الذي تشرف عليه رئاسة الحكومة مما يزيد من فرص الشفافية والحوكمة ويحد من المعاملات اليدوية التي تمر عبر الإدارات المختلفة وما يعنيه ذلك من تدخلات ومحسوبية ورشوة.

وأضافت انتصار العرفاوي أن الاستراتيجية الوطنية لتطوير الإدارة الإلكترونية تندرج في إطار توجه الحكومة التونسية الى تطوير اقتصاد المعرفة وإدخال تكنولوجيات المعلومات والاتصال في مختلف أوجه حياة التونسيين. وفي هذا السياق، تعتبر رقمنة الصفقات العمومية أداة ضروريّة لإصلاح وتحديث القطاع العام، بهدف إرساء إدارة أكثر نجاعة وأكثر قربا من مختلف المتعاملين معها. وهو ما يتحتّم تجسيمه من خلال تنفيذ ما جاء بإستراتيجيّة تطوير الإدارة الإلكترونية التي تسعى الإدارة بواسطتها إلى دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العمل الإداري من أجل توفير خدمات ذات قيمة مضافة لفائدة مختلف فئات المتعاملين معها. وعلى هذا الأساس ستمكن المنظومة الجديدة من تعزيز مستوى الاستثمار في مناخ من النزاهة والشفافية والمساواة بين كل المتعاملين الاقتصاديين.

و أكد شرف الدين اليعقوبي عضو الهيئة المديرة للجمعية التونسية للمراقبين العموميين أن عديد المؤسسات لم تنخرط بعد في المنظومة الجديدة بالرغم من إجبارية استعمالها و أنها دخلت حيز التنفيذ بداية شهر سبتمبر وآخر أجل للتسجيل هو نهاية هذا الشهر. وإضافة إلى ضعف انخرط المؤسسات العمومية هناك إشكالية على مستوى مسدي الخدمات و المقاولين الذين ستشملهم هذه المنظومة وكذلك العقوبات المنجرة على عدم استعمالها. وأضاف محدثنا أن منظومة الشراءات على الخط تعمل منذ فترة في مرحلة أولى تجريببة لكن الآن سيتم تقييمها بشكل فعلي وخاصة فيما يتعلق بمدى نجاحها في الحد من عمليات الفساد. وأشار شرف الدين اليعقوبي إلى أن الحد من العلاقة المباشرة بين العون العمومي ومسدي الخدمات والمقاولين سيمكن من الحد من الوثائق وبالتالي التقليص من مصادر الفساد والرشوة لكن الشكل الحالي للمنظومة يبقي بعض مراحل العلاقة المباشرة بين الإدارة و المنتفعين بطلبات العروض خاصة فيما يتعلق بالخلاص لذلك تطالب الجمعية التونسية للمراقبين العموميين بضرورة أن تغطي هذه التطبيقة جميع مراحل الشراء العمومي بما في ذلك عملية الخلاص.

رقمنة جميع المراحل

كما أن عملية الخلاص الالكتروني ضرورية في دفع الإدماج المالي ودعم موارد النظام البنكي لفائدة الاقتصاد المنظم ومقاومة النشاطات الموازية والممارسات المالية غير المشروعة وذلك من خلال التقليص من التعامل نقدا وتطوير ودفع الأنظمة وطرق الدفع الإلكتروني والتمويل الافتراضي. لكن تصطدم عملية الخلاص الالكتروني بواقع متسم بنقص هائل في عدد الحسابات البنكية والبريدية لان أغلب مسدي الخدمات ليس لديهم حسابات أو بطاقات بنكية وغير منخرطين في النظام المالي. وهذا الأمر يتطلب جهودا كبيرة لتغيير العقليات لان نظام النقديات في تونس مؤمن و يضمن الحماية للمستعملين. لذلك يتطلب تطوير عمليات الدفع عبر البطاقات البنكية وعن طريق الهاتف المحمول توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية الرقمية وإرساء تشريعات وبنية تحتية أكثر ملائمة.

وفي نفس السياق أشار محدثنا إلى أن إحداث الهيئة العليا للطلب العمومي مثل منعرجا مهما نحو رقمنة الصفقات العمومية حيث تمثل منظومة الشراءات العمومية على الخطّ إحدى الدعائم الأساسية للمنظومة الجديدة. فالتجارب المقارنة وخاصة لدى الدول ذات الخبرة في مجال الشراء العمومي أثبتت أهمية هذه الآلية في تكريس المبادئ التي يقوم عليها الشراء العمومي وخاصة منها ضمان شفافية المعاملات والضغط على الكلفة والتحكم في الآجال. و تعتبر تونس أول بلد إفريقي وعربي ينجز منظومة للشراءات العمومية على الخط بالتعاون مع جمهورية كوريا الجنوبية لكن أهمية ذلك في تقدير محدثنا مرتبط بمدى تفاعل بقية الهياكل الأخرى خاصة و أنّ القطاع العمومي برمته يتطلب إصلاحات عامة. من ذلك أن المشتري العمومي له دور مهم في عملية تطوير وإصلاح منظومة الصفقات العمومية وعليه التفاعل الايجابي مع النصّ الجديد خاصة في ما يتعلق بأحكام تنظيم البرمجة والمتابعة بما يجعل الإجراءات والتراتيب الجديدة مدعّمة لعمله لبلوغ هدفي النجاعة والجدوى.

لقد تسبب تفشي الفساد في الصفقات العمومية في خسائر كبيرة للاقتصاد مما جعل من الضروري تقليص عدد المتدخلين للحد من التعامل اليدوي. لكن رقمنة الصفقات العمومية يتطلب كذلك التزاما من الإدارة التونسية بتطبيق ما جاء في قانون الصفقات العمومية وكذلك التزام أجهزة الرقابة المختلفة بذلك وممارسة دورها في الضرب على أيدي ناهبي المال العام.