الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



حزب مهدّد ولا يجوز أن يتبخّر

النداء أهلك نفسه.. وأنهك تونس!


بقلم: مراد علالة

يتسم الحديث عن الاحزاب الكبرى وخصوصا تلك المضطلعة بأعباء الحكم بصعوبة بالغة فنقدها ولو بالحد الاقصى من الموضوعية يستفزها ويثير أتباعها، والتنويه بها وتسجيل منجزاتها أيضا يغضب متابعين آخرين فيهم من هو في خندق الخصوم وفيهم أيضا من هو من مكتشفي الثورة ومن الثوار الجدد وما أكثرهم في هذه المرحلة.

حديثنا اليوم، هو عن حركة نداء تونس، حزب فتي ظهر بعد ملحمة 14 جانفي غير المكتملة ونتائج انتخابات 23 اكتوبر 2011 التي أفضت الى تمكن جماعات الاسلام السياسي بحكم بلادنا.

وكان التأسيس تحت شعار «خلق التوازن» وايجاد معارضة وطنية حداثية تدافع عن المشروع الحداثي لدولة الاستقلال الوطنية، تكنس الترويكا بقيادة حركة النهضة «صاحبة المشروع المجتمعي المرجعي» وتضع حدا للارهاب والعمليات الارهابية ولمسلسل الاغتيالات السياسية التي طالت زعماء الجبهة الشعبية الى جانب استهداف المؤسستين الامنية والعسكرية.

وعلى هذا الاساس توحد التونسيون حول جبهة الانقاذ الوطني، وفي سابقة في تاريخ تونس التقت مكونات المجتمع السياسي الحداثي مع منظمات المجتمع المدني باختلاف أنواعها وفي مقدمتها اتحادا الاعراف والشغالين وتم ارغام منظومة 23 اكتوبر على الرحيل في الظاهر على الأقل.

بعد سنة انتقالية صعبة زادتها صعوبة حصيلة نشاط حكومة التكنوقراط بقيادة مهدي جمعة، توجه التونسيون الى صناديق الاقتراع في أول انتخابات تشريعية ورئاسية تعددية حرة ونزيهة وشفافة على أمل تعديل بوصلة الوطن والانتصار للجمهورية الاجتماعية المدنية.

ورغم صغر سنه ان جاز القول، اكتسح نداء تونس المشهد وظفر برئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس نواب الشعب وحتى رئاسة الحكومة أعطيت لمرشحه في نسخة أولى ثم الى احد ابنائه في نسخة ثانية وبدأ مع ذلك حلم الندائيين بانتشار الحزب في مفاصل الدولة وعلى رأس المؤسسات واكتشفنا بمرور الوقت ان ما يقود الجميع هو للأسف منطق الغنيمة الذي ازداد بشاعة بخروج «الأب المؤسّس» الذي كان له الفضل في ولادة الحزب لكن يبدو أنه لم يتوصل الى الوصفة المناسبة لضمان ديمومته واستمراره بغرس ثقافة ديمقراطية داخله تسمح من جهة بالتداول على المسؤوليات ومن جهة اخرى الانضباط واحترام الآليات والنواميس الديمقراطية بعيدا عن الولاءات الشخصية والعائلية والمصلحية.

لقد بدأت معاناة الحزب اذن بتفرغ المؤسس الباجي قايد السبسي لرئاسة الجمهورية رغم تدخله في الكثير من المناسبات لـ«الاسعاف» وتفاقمت بالخيار الاستراتيجي الذي ذهب فيه باقتسام كعكة الحكم مع الخصم اللدود الذي نشأ من اجل الاطاحة به وهو حركة النهضة وتلك كانت صفعة قوية للناخبين.

واللافت أن تداعيات أزمة النداء وتمظهراتها لم تتأخر كثيرا، فصحيح ان «الحكم يهرّي» على حد قول مؤسس حركة النهضة الاسلامية لكن ليس بهذا الشكل وبهذه السرعة فالانفعالات والتصريحات والاستقالات بدأت بشكل مبكّر واستعراضي ومثير للريبة وفيه في تقديرنا كثير من الاستهتار بذكاء التونسيين عموما وذكاء الندائيين بشكل خاص.

ان أغرب ما اتاه كثير من قادة النداء هو اعلان «العداء» لحركة النهضة والذهاب الى حد شيطنة خيار التوافق معها ونقده نقدا لاذعا والحال أن الجميع ـ ولا فائدة في ذكر الاسماء ـ شارك في العلن في هندسة ومباركة هذا التوافق مع الاسلاميين ولم يقدم نقده الذاتي الى اليوم.

ليس ذلك فحسب، ففي الوقت الذي مارس فيه الاسلاميون التقية والانضباط وواصلوا الجهاد للتغول في مفاصل الدولة والتواجد في كل الادارات والوزارات والمؤسسات وفي المواقع الحساسة رغم قلة الحضور العددي الظاهر في الحكومة، تفرغ الندائيون الى «حالة» نشر غسيل وعراك أساءت لمشروع الحزب الأصلي ولمؤسسه ولعدد من قادته ممن يحمل تاريخا سواء في الحركة النقابية أو حتى في العائلة الدستورية والتجمعية ومن رجال الاعمال والمستقلين، ونزل الخطاب الى الحضيض واشتد التلاسن في المباشر مرة حول التعيينات ومرة حول التوافق ومرة حول التوريث ومرة حول المؤتمر ومرة حول الحكومة ومرة حول الكتلة...

وحتى في علاقة بالعاهات السياسية الاخرى التي ضربت بقية الكيانات السياسية ولقيت موجة عارمة من الاستهجان كالسياحة الحزبية والانشقاقات فان الندائيين قدّموا لانفسهم وللتونسيين أسوأ الامثلة في السياحة والتنقل من حزب الى آخر وفي الانقلاب والتشقق، ظاهرة فاقت ما عرفه حزب المؤتمر من اجل الجهوية على سبيل المثال!.

لقد أنهك النداء نفسه وفقد البوصلة والمقود ولم تعد فيه سلطة قرار وهياكله اليوم في اجتماعات مفتوحة على غرار الهيئة السياسية في سباقة في عمل الاحزاب في انتظار رد فعل من هنا وهناك أو رسالة قد تأتي أو لا تأتي. أيعقل ان يتعامل حزب مع أحد ابنائه وهو المكلف برئاسة الحكومة عن طريق المراسلات وان يمهل الرجل 24 ساعة أو 48 ساعة للتخاطب مع «داره الكبيرة»؟

لقد كان الحزب حرا في ايصال حافظ قايد السبسي نجل الرئيس المؤسس على رأس الادارة التنفيذية للحزب، وكان حرا في منح يوسف الشاهد كرسي القصبة، أما البرود والجفاء الذي حصل بين الرجلين والذي يعكس ربما اختلافات في الرؤى والتصورات المستقبلية، فلا يعني سوى شيء واحد وهو ان النداء غير قادم على استيعاب ابنائه وغير قادر على ادارة خصوماتهم وغير قادر على تقديم صورة الحزب الكبير الذي يضطلع باعباء الحكم وهذا باب ثان يطول فيه الحديث لان النداء الذي انهك نفسه انهك البلاد وجعلها لقمة سائغة في أفواه المتربصين بها في الداخل والخارج.

ان كل المؤشرات اليوم سلبية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وكل الوعود الوردية التي قدمها النداء للتونسيين ظلت واهية وها هي حركة النهضة تنفرد بالحكم والحكومة على المستويين المركزي والمحلي بعد الانتصار في الانتخابات البلدية الماضية وها هي تعد العدة لاستحقاقات 2019 بشقيها الرئاسي والتشريعي على الوجه الاكمل وهو سيناريو ممكن ويسير اذا استمر الحال على ما هو عليه وتبخّر مشروع النداء الحزب الذي أساء ادارة الصراع في الحكم مع الشريك الذي توافق معه وخارج الحكم مع القوى الوطنية التقدمية الاقرب اليه نظريا.