الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مجانيّة التّعليم العمومي في تونس :

حــــقــــيــــــــقــــــــة... أم خــــــــــيـــــــــــال ?



اعداد: سميحة الهلالي

ينصّ الدستور التونسي في الفصل 39 منه على أنّ التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة وعلى أنّ الدولة تضمن الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله، وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين.

كما تعمل على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية وانتمائها الوطني وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها والانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الإنسانية ونشر ثقافة حقوق الإنسان.

لكن يبدو أنّ التعليم العمومي - شأنه شأن القطاعات العمومية الأخرى - يعاني عديد الهنات وباتت المشاكل التي يتخبط فيها تؤرق جميع الاطراف المتدخلة فيه ، من عائلات ترنو الى رسم مستقبل مشرق لفلذات الاكباد عماده العلم و المعرفة ،و ناشئة حالمة بنحت معالم وطن يتسع لأحلام غالية ،وساسة ما انفكّوا يطلون علينا بين الحين والاخر بإصلاحات ارتجالية سرعان ما تحدث بلبلة في صفوف الجميع وتكبّدهم معاناة جديدة لم تكن في الحسبان لتضاف الى جملة المشاكل العالقة التي تعاني منها منظومة التعليم العمومي بمختلف مستوياتها على غرار التسجيل عن بعد الذي وان ارادت وزارة التربية من خلال هذه الخطوة توفير سبل الراحة للمواطن في ترسيم منظوره الا ان النتائج كانت عكسية تماما فقد كان لهذه الخطوة العديد من الاثار السلبية على جميع المستويات.

فقد أدت عملية التسجيل إلى إحداث اكتظاظ منقطع النظير في كل مكاتب البريد بالإضافة الى نقص المطبوعات و مطالبة الولي بجملة من الوثائق كان في غنى عنها سابقا. هذه الاصلاحات وصفتها عديد الاطراف المتدخلة في المنظومة التربوية العمومية بالمجانبة لعملية الاصلاح الجذري التي تحتاجها للمنظومة التعليمية العمومية على غرار البنية التحتية المتردية في عديد المدارس ونقص القاعات والاكتظاظ.

كما أن بعض المدارس تمثل خطرا على التلامذة باعتبار انها آيلة للسقوط .من جهة اخرى اصبح الحديث عن مجانية التعليم العمومي موضوع تشكيك باعتبار حجم المصاريف التي تتكبدها العديد من العائلات لإلحاق ابنائها بالمؤسسات التربوية من حيث غلاء الادوات المدرسية ومصاريف النقل وغيرها من التكاليف الأخرى الذي يجد الولي نفسه مجبرا على سدادها لضمان تكوين علمي جيد لمنظوره على غرار الدروس الخصوصية ...فهل يصح اليوم الحديث عن مجانية لتعليم في وقت عجزت فيه العائلات عن توفير مصاريف العودة المدرسية ؟

علينا أوّلا أن نميّز بين مجانيّة التّعليم ومجانيّة الالتحاق بالمدارس العموميّة ذلك ما عبر عنه السيد قاسم سليم رئيس جمعية جودة التعليم. فمجانيّة التّعليم، هي ألاّ تتحمّل الأسر أيّة نفقات لتعليم أبنائها، وهذا يعني مجانيّة النقل والغذاء واللّباس والأدوات واللّوازم المدرسيّة وسائر الخدمات التي يمكن أن يحتاجها المتعلّم من رعاية صحّيّة وإحاطة نفسيّة وأنشطة ثقافيّة ودعم وتأطير تربويّ خارج ساعات الدّراسة الرّسميّة وغيرها. ونحن لا نكاد نجد، عبر التّاريخ، هذا النّوع من المجانيّة إلاّ في ثلاث حالات هي حالة البلدان الشّيوعيّة، وحالة البلدان حديثة الاستقلال التي تنفّذ مشروعا وطنيّا للخروج من التّخلّف، وحالة المؤسّسات الأهليّة الدّينيّة أو الخيريّة التي تتكفّل بفئة معيّنة من المتعلّمين. أمّا مجانيّة الالتحاق بالمدارس العموميّة فهي الحالة الأكثر انتشارا في الزّمان والمكان، وفيها تنفق الدّولة من أجل بناء المؤسّسات التّربويّة وصيانتها، وتتكفّل بانتداب ما يلزم من إطارات إداريّة وتربويّة وعملة لتسييرها، وتوفّر للعمليّة التّربويّة ما تحتاجه من تسهيلات ووسائل حتّى تتمّ في أفضل الظّروف. إنّ الالتباس القائم في الأذهان، بين مجانيّة التّعليم المطلقة وبين مجانيّة الالتحاق بالمدارس العموميّة، يضع اليوم على كاهل المنظومة التّربويّة ضغطا متزايدا باتت تنوء بحمله، ويجعلها مسؤولة عن ملفّات تتجاوز دورها الأساسيّ، بل والوحيد، وهو تقديم تعليم جيّد للجميع. فالمدرسة بمنطق نُظُمِ الجودة هي منتفعٌ بخدمات النّقل والصّحّة والتّغذية مثلا، ولكنّها بمنطق السّائد في الأذهان وفي الواقع تتحوّل إلى مقدّمة لهذه الخدمات، ولذلك نجد اللّوم يوجّه إليها عند كلّ تقصير، ونجد مسؤوليها يعملون جاهدين للتّدارك والتّبرير، وما ذلك إلاّ لأنّهم يستبطنون بدورهم ذات المنطق، ولا يخطر على بال أحدهم أن يخرج ليقول إنّ هذا ليس دور المدرسة. ونفس الشّيء نلاحظه في ملفّ الدّروس الخصوصيّة، حيث نلمس لديهم حرجا شديدا من هذه الظّاهرة، وتطالعنا في كلّ مناسبة تصريحات ونصوص قانونيّة تعد بمحاربة هذه الظّاهرة والقضاء عليها، والحال أنّ المنظومة التّربويّة مطالبة بمحاربة أمرين فقط هما الجهل بأنواعه من ناحية والهدر الكبير الذي تعرفه على مستوى مواردها الماليّة والبشريّة من ناحية أخرى، أمّا ما عدى ذلك فهي مطالبة بوضع المعايير الضّامنة للجودة، على أن تتكفّل باقي الأطراف، من هياكل حكوميّة وقطاع خاصّ ومجتمع مدنيّ وأولياء، كلّ في ما يخصّه، بتحمّل مسؤوليّاتها وتأدية أدوارها عبر توفير تلك الخدمات وفقا للمعايير المحدّدة. خلاصة القول إذن هي أنّ المجانيّة المطلقة للتّعليم فكرة طوباويّة لا أساس لها، وعلى كافّة الأطراف، بما في ذلك المدرسة، أن تعي ذلك وأن تراجع سلوكياتها ومواقفها على أساسه، لأنّ الأصل هو أن يكون الجميع في خدمة المدرسة حتّى تنجح في أداء مهمّتها التّربويّة والتّنمويّة والحضاريّة، لا أن نلقي على كاهل هذه المدرسة كلّ المسؤوليّات، ثمّ نلومها بعد ذلك على النتائج.

اتعاب بالجملة والتفصيل

لقد خلقت عملية التسجيل عن بعد حالة من الاكتظاظ في مكاتب البريد وجعلت عديد الموظفين يضطرون الى الخروج في اجازات ورخص مهنية لترسيم ابنائهم وذلك حتى يتمكن من الانضمام الى الطوابير الرهيبة والطويلة بمكاتب البريد .فعوض تخفيف العبء على المواطن فقد تم اثقال كاهله بالمصاريف وتم خلق حالة من الضغط والغضب والارباك الكبير في صفوف الاولياء والتلاميذ ذلك ما عبر عنه السيد توفيق الشابي ممثل عن الجامعة العامة للتعليم الاساسي مضيفا ان الجميع وجد صعوبة في استعمال الية الترسيم الجديدة .ويؤكد محدثنا ان الغلاء المشط لمستلزما ت الدراسة والنقل نتيجة الزيادات المتكررة للمحروقات يضرب مجانية التعليم في العمق .ويبرز محدثنا انه ببعض المناطق الداخلية يضطر التلميذ الى كراء محل للسكن او ينتقل الى المبيت التي اثبتت الوقائع تردي الخدمات فيها على غرار الاكل مما يضطره الى الاكل من المطاعم الخاصة وهي جملة من المصاريف التي تضاف الى بقية المصاريف الاخرى التي تثقل كاهل عديد العائلات .ويرى محدثنا ان المؤسسة التربوية العمومية تبقى منارة لابد من حمايتها وادخال عديد الاصلاحات الضرورية عليها غرار اصلاح البنية التحتية ويذكر محدثنا بعض الامثلة لمدارس بالمحمدية بتونس تعتبر وضعيتها كارثية وتعاني اكتظاظا رهيبا للتلاميذ حيث يضم القسم الواحد ما يفوق 37 تلميذا نتيجة نقص القاعات اضافة الى غياب المجموعات الصحية كما تفتقد عنصر النظافة نتيجة القاء المارة للفضلات قربها اضافة الى عدم توفر اعوان حراسة واعوان خدمات و يذكر محدثنا مثال مدرسة السعاد ة1 التي تمثل خطرا حقيقيا فأعمدة رواقها آيلة للسقوط ورغم علم الاطراف المعنية بذلك الا انها لم تحرك ساكنا لحماية الاطفال. ويستغرب محدثنا حديث سلطة الاشراف عن توفير الرفاه البيداغوجي للتلاميذ في حين انها لم تقدر على توفير قاعات اضافية. ويؤكد محدثنا من جهة اخرى انه يفترض ان تكون العودة المدرسية مناسبة احتفالية سنوية في ظروف طيبة وسلسة بعيدة عن جملة المآسي التي تفسدها كالاكتظاظ داخل الاقسام اضافة الى النقص الفادح في الاطار التربوي والمقدّر بما يفوق 10 الاف معلم. في ظل هذه الظروف لا يمكن الحديث عن تامين عودة مدرسية طبيعية .ويؤكد محدثنا ان المدارس العمومية منتشرة في كل ربوع البلاد ولكن هناك استهداف ممنهج لضرب المنظومة العمومية والتشجيع على الانتصاب الخاص في قطاع التعليم واكبر دليل على ذلك انتشار المدارس الخاصة كالفقاقيع .و يؤكد محدثنا ان المؤسسة العمومية تبقى منارة بأتم معنى الكلمة وجب الحفاظ عليها من خلال تفادي النقائص والعمل على تطويرها وان التعليم ببلادنا يبقى مجانيا وهو مكسب من المكاسب التي وجب الحرص على استمرارها بالتصدي لكل الاطراف التي تبحث على ضربها .

من جهته اعتبر مصدر موثوق بوزارة التربية ان مجانية التعليم العمومي مبدا لا يمكن الحياد عنه وهو مفتوح لكل الشرائح الاجتماعية على تنوعها .وفي السياق نفسه اكد المصدر نفسه ان كل الاطراف المتدخلة في هذا المجال تسعى للمساهمة في تطويره والمحافظة عليه من خلال ادخال عديد الاصلاحات الضرورية التي يكون الهدف منها طبعا توفير مناخ ملائم للتعلم للتلميذ والاطار التربوي على حد سواء كما نفى المصدر نفسه ما يروج عن الخطية المالية التي يمكن ان يعاقب بها أي تلميذ يسند له إنذار أثناء الدراسة وأكد أن لا أساس لها من الصحة .وانما هي مجرد اشاعات يراد من خلالها ضرب منظومة التعليم العمومي.