الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



يلزمها حرب إبادة شاملة..19٪ نسبة الأميّة في تونس

... والأمّية أشدّ من القتل!؟



بقلم: لطفي العربي السنوسي

أخطر وأشدّ الآفات على الشعوب والأمم واكثرها فتكا بالعمران البشري هو ما يسمى اصطلاحا «بالأميّة» والتي يعتبرها علماء الاجتماع سرطانا حقيقيا لن تبرأ منه المجتمعات ما لم تعلن دولها حرب إبادة شاملة ضدّها تخوضها بالمال والعتاد وترصد لها امكانيات بشرية مهولة واستراتيجيات عميقة تنسف ـ بداية ـ كل أسباب هذه الآفة... كما تؤكد أدبيات الأمم المتحدة على خطورة آفة الأميّة باعتبارها أحد أهمّ أسباب تفشي الكراهية والجريمة والتطرف بكل اشكاله اضافة الى أخطارها على المجتمع وعلى الدولة...

وتصنع الأميّة ما يسمي «بالدوائر الفارغة» التي تساهم في مزيد انتشارها بما لا يمكن تخيّله... و«الدائرة الفارغة» كما يسميها علماء الاجتماع هي تلك التي تصنعها العائلة كدائرة يتحرك وسطها كل الأبناء وهي مرتهنة بالطبيعة الثقافية والاجتماعية والبيئة الحاضنة لهذه العائلة وهي المحددة لمزيد صنع «أفراد أميين» يتناسلون من ذات العائلة بما يشبه التوريث خاصة في غياب سياسة تعليمية واضحة اتسمت في السنوات الأخيرة بالتذبذب والارباك والاصلاحات المسقطة وسلبية النظام البيداغوجي والتأديبي واختلال وظيفة التوجيه المدرسي وهذه كلّها أسباب ساهمت في الانقطاع المبكر عن المدرسة خاصة في المراحل الابتدائية ما يسمى بالتسرّب المدرسي...

ومن اسباب تفشي الأمية ـ أيضا ـ ما يسميه رجال التربية «بالهدر المدرسي» ويتعلق بمدى نجاعة المنظومة التربوية وما فيها من ظواهر سلبية أهمّها عدم انهاء البرنامج الدراسي لكثرة غيابات المربين وتعليق الدروس والاضرابات وتكرر سنوات الرسوب والتعثر الدراسي نضيف الى هذا كله تراجع مكانة التعليم في تونس والاندماج المبكر في سوق الشغل العشوائية بما أنّ الشهادة العلمية لم تعد مرجعا أو محددا كما هو رائج في تونس بحجّة تزايد عدد العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا... نضيف الى هذا الهوّة السحيقة بين التعليم وسوق الشغل وتدني المناهج التعليمية والتوظيف السياسي للمنظومة التربوية الذي يعتبر من أهمّ أسباب خراب هذه المنظومة ما بعد الثورة باسقاط خيارات فاشلة ساهمت في توتر العلاقة بين التلميذ والاطار التربوي بحيث نفر هذا من ذاك وتحوّل التعليم الى واجب ثقيل يؤديه التلميذ كمتلق مرغم ويؤديه الاستاذ كباث مرغم ايضا كما جاء في توصيف أحد علماء التربية.. ولا بدّ هنا أن نشير الى أنّ المدرسة العمومية لم تعد مدرسة مجانية وإنما هي مدرسة باهظة الثمن تتكلف غاليا على العائلات محدودة الدخل بالنظر الى تكلفة الأدوات المدرسية والدروس الخصوصية.

الاحصائيات التي قدمتها وزارة التربية عن الانقطاع أو التسرب المدرسي ـ ما بعد الثورة ـ وخاصة في المرحلة الابتدائية تعتبر كارثية بما لها من تأثير عميق على طبيعة المجتمع التونسي... فكل هذه الجحافل المغادرة مبكرا لمقاعد التعليم هي في الواقع «كمائن» لا أحد بامكانه توقع مصيرها أو مستقبلها وقد أخذت لها موقعا ضمن صفوف «الأمّيين» ما بشرنا به وزير الشؤون الاجتماعية أول أمس الذي أكد على ارتفاع نسبة الامية في تونس والتي وصلت الى ٪19.1 وهي نسبة عالية تعكس مدى خراب المنظومة التربوية وسياساتها المرتجلة وانتهازية سياسيي وحكام ما بعد الثورة وقد الهاهم التهافت على غنائم الحكم ففرطوا في كل مكاسب التربية والتعليم والثقافة بل ان تونس ما بعد 14 جانفي وخاصة في الزمن الاخواني قد شهدت هبّة ارتداد وتجهيل كادت ان تقضي على جيل كامل من شباب تونس وكلنا يذكر القدوم العظيم لشيوخ الوهابية وما روّجوا له في الفضاءات العامة برعاية اخوانية من دجل وشعوذة ومن تتفيه للعقل البشري اضافة الى انتشار المحاضن والمدارس القرآنية كبديل عن المدارس العمومية وانتصاب «فرع اكاديمي» لتعليم قواعد الوضوء وأصول الفقه والشريعة على الطريقة الوهابية وهو فرع من أصل اتحاد علماء المسلمين لصاحبه الداعية القرضاوي وهو منتصب الى الآن بمنطقة مونبليزير... كما شاعت في وسائل الاعلام المرئي خاصة ثقافة الشعوذة والسحر والتطبيب واخراج الجن العالق بالجسد البشري...!؟ كما روج هذا الاعلام لعدد من المشعوذين ممن يشفون الناس من امراضهم بالبصاق (وكلنا يذكر صاحب البراد الشهير) وغيرها من المظاهر التي ساهمت او زادت في توسيع دائرة الجهل والامية ونفّرت الناس من المدرسة ومن التعليم نضيف الى هذا كله تسرب قناعة لدى شبابنا بأنه بامكانهم «الاستثراء» السريع دون جهد تعليمي ودون الحاجة الى شهادة علمية دنيا ولهم أمثلة ونماذج لرجالات في الحكم وفي السلطة وفي الاحزاب وفي السياسة ورجال اعمال ولصوص تحولوا في سنوات قليلة الى أصحاب ثروات خيالية وكانوا الى وقت قريب يقطّرون أرزاقهم تقطيرا...

ان الارض التونسية ما تزال خصبة لانتشار الامية ولتوسيع دوائرها ما دامت اسبابها ماثلة وقد رمت بعروقها عميقا في التراب التونسي وهي نتاج خيارات تربوية وثقافية واجتماعية فاشلة مرتجلة ومسقطة ونتاج سياسيين تقدموا الى الحكم من أجل غنائمه بلا بدائل وبلا افكار وبلا عزم على اصلاح ما تداعى في المنظومة التربوية خاصة التي تسيست وتحولت الى رهينة عبث بها نقابيون مغامرون وسياسيون فاشلون يعانون بدورهم من أمية فاحشة في ادارة شؤون المجتمع والدولة التي سيرتد عليها ولا شك «أمّيوها» بما انهم نتاجها.

٪19.1 نسبة الامية في تونس رقم فضيحة ومخجل للدولة الوطنية التي صنعها رجال تربوا في المدرسة التونسية العريقة التي تم تحديثها مبكرا (ولها الريادة في ذلك عربيا وافريقيا) ومنها تخرجت اسماء واعلام وزعامات في الفكر والادب والثقافة والفن والطب والسياسة والقانون... وهي ذات المدرسة التي فرط فيها حكام ما بعد الثورة باسم الثورة وحوّلوها الى «كمائن» لتفريخ الحقد والكراهية والتطرف والجهل والأمية.

٪19.1 من الاميين سنة 2018 رقم لا تستأهله البلاد التونسية ولا يليق بنخبها الثقافية والسياسية...

فالامية اشد من القتل لو تدرون...!؟