الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مآلات المحكمة الدستورية:

مشروع آخر قيد الإجهاض


بقلم: محمد بوعود

صحيح أن الرسالة الغريبة التي ردّ بها قيس سعيّد على رئيس مجلس النواب، وأعرب فيها عن رفضه لمشروع قانون تنقيح المحكمة الدستورية، قد استحوذت على اهتمام جُلّ المتابعين، لكن الأصح أيضا ان السؤال الكبير بات اليوم واضحا خاصة وأن المحكمة الدستورية باتت قاب قوسين أو أدنى من الوصول الى مرحلة الاحتباس.

 

صحيح أن ردّ الرئيس لمشروع قانون تنقيحها هو الضربة القاضية التي أدخلتها في طور جديد من قرب النهاية، لكن الأصح أيضا أن الرئيس لم يكن لوحده هو الذي أجهض هذا المشروع الدستوري الذي كان يمكن أن يحسم في كثير من المشاكل والخلافات وكان يمكن ان لا نصل الى ما وصلنا اليه من حالة اختناق تام في العملية السياسية.

فالرئيس ختم تقريبا بالشمع الأحمر على باب غير موجود بطبعه، وسدّ الطريق على شيء لا يتقدم بل متوقف في مكانه منذ سنين.

فقد كانت له الشجاعة بالرفض علنا لما يرفضه الاخرون في السرّ ويعلنون عكس ما يضمرون بشأنه، فلا أحد منهم كان في يوم من الايام راغبا في هذه المحكمة، ولا أحد منهم تحمّس لها يوما، وحتى في جلسات التصويت السابقة كان الجميع بين متغيّب عن قصد، وبين حاضر ليجادل ويثير الارباك ويشكك في المترشحين، ويصوّت ضد مرشحي خصومه، والجميع بدون استثناء لعب دورا في ان لا ترى المحكمة الدستورية النور في يوم من الايام.

ـ المشرّع، واضع الدستور، لعب الدور الرئيسي في تعطيل انشاء المحكمة من خلال ما قرّره في طريقة ترشيح أعضائها وتقاسم الصلاحيات في داخلها، ومن طريقة توزيع الترشيحات فيها على أكثر من جهة وطرف، وما جعلها منذ البداية، وحتى قبل تقديم طلبات الترشيح لها، تغلب عليها الحسابات السياسية وتسيّرها الاصطفافات الحزبية، اذ لا معنى لشخص يقال عنه مستقل وهو مدعوم من كتلة برلمانية تدافع عنه وتصوّت له وتدعمه وتدافع عنه بشراسة.

ـ الاغلبية البرلمانية في العهدة السابقة، والتي كانت تتكون من حزب قلب تونس وحركة النهضة وحزب سليم الرياحي وبعض المتحالفين معها، والتي كانت قادرة على تمرير الاربعة مترشحين لو انها أرادت فعلا ان تنتصب المحكمة ويكتمل نصابها، خاصة وأن الأجواء السياسية التوافقية كانت ساعتها قابلة لتمرير كل المشاريع، ولها القدرة على استيعاب حتى ما لا تتفق معه.

ـ حركة النهضة، من خلال اصرارها في كل مرة على التمسك بترشيحات لا علاقة لها من قريب او بعيد بما يجب أن يكون عليه عضو المحكمة الدستورية، من إلمام تام بقواعد التحكيم الدستوري، وكانت في كل مرة إما تأتي بأستاذ جامعي متخصص في الفقه والعلوم الشرعية وتجعله هو الخيار الوحيد او لا، وإما تأتي بمحام عليه عديد الاعتراضات، وتصرّ على لا محكمة ولا توافق من دونه.

ـ الرئيس المرحوم الباجي قايد السبسي، الذي توفّرت له فرصة ذهبية حين كان قادرا على تحريك أغلبية برلمانية يمكنها تمرير أي اسم او مرشّح يقع التوافق عليه، لكنه لم يول المسألة أيّ أهمية، بل انه لم يقم أصلا حتى بمراسلة المجلس لطلب الاستعجال في انجاز هذه الهيئة الدستورية التي لا تكتمل الحياة السياسية بدونها.

وكل هؤلاء الذين أخطأوا في حق هذا الهيكل الدستوري وأوصلوه الى مرحلة النهاية او الانغلاق التام، يتحملون بلا شك ما وصل اليه أمر هذه المحكمة الآن.

ولا تبدو الصورة واضحة الان حتى في مجال كيفية التعاطي مع ملف هذه المحكمة، وليس مع أعضائها او القائمين عليها، فاليوم من المفترض ان تنعقد جلسة عامة للتصويت على باقي الاعضاء، ولا ندري ان كان فيهم من سيصل الى مجموع الثلثين كما تم انتخاب العضو الوحيد من جملة الاربعة، ولا ندري أصلا ان كانت ستلتئم الجلسة أصلا وستطرح الأسماء للتصويت.

وحتى ان حدثت معجزة، وتمكّن ثلاثة مترشحين من تجاوز العتبة والمرور الى العضوية، فكيف سيكون مآل باقي الاعضاء، وهل ستشتغل المحكمة بثلث نصابها فقط، وحتى ان قدّم المجلس الاعلى للقضاء ترشيحاته، فهل يضمن أحد أن الرئيس سيعطي الاسماء التي من نصيبه؟.

كلها أسئلة لا جواب لها، بل لم تعد تعني شيئا في ظل الوضع المأساوي الذي وصلته هذه الهيئة الدستورية، التي كانت بالفعل مشروع مؤسسة سيادية هامة، أجهضت بمرور الزمن وبتكالب الساسة على منع انتصابها.