الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في حضرة الزعيم الحبيب بورقيبة بمناسبة ذكرى رحيله الـ21...

قيس سعيّد «يُطلق النار» على «لصوص» الجمهورية ويُقبر الحوار الوطني..!


بقلم: مراد علالة

لم يمر إحياء الذكرى 21 لرحيل الرئيس السابق الحبيب بورقيبة عاديا أمس الثلاثاء 6 أفريل 2021، فقد عرف إلى جانب بعض الأنشطة الثقافية والبيانات السياسية حضورا لافتا لرئيس الجمهورية الحالي قيس سعيّد الذي تحوّل خصيصا إلى مدينة المنستير وأشرف على موكب بالمناسبة في روضة آل بورقيبة حيث وضع إكليلا من الزهور على قبر «الزعيم» وتلا الفاتحة على روحه وألقى خطابا ناريا استحضر في مقدمته مناقبه قبل أن يسترسل في مهاجمة خصومه «المعاصرين» ممن يجاهدون اليوم لحصاره وتقزيم دوره وتنفيذ أجندات خاصة بهم وهم «لصوص» و«لوبيات» لم تسلم منهم البلاد ولا العباد وأضاف في تصريحات إعلامية أنه لا يرى فائدة في «الحوار الوطني» في السياق الحالي.

 

وطبيعي في مقدمة الكلام بما أن الذكرى تحرك الذاكرة، أن يتوقف ساكن قرطاج الحالي عند مناقب الرئيس الراحل ويستعرض العديد من المحطات التاريخية التي شهدتها بلادنا وأن يجدد بالمناسبة «الالتزام بالوفاء لمن ضحّوا بأنفسهم من أجل تونس، وبمواصلة الثبات والعمل من أجل تحرير العقول والمحافظة على مكتسبات الاستقلال».

هكذا يتصالح قيس سعيّد مع من تحفّظ في الفترة الماضية وانتقد غياب حماسة الرجل لذكرى عيد الاستقلال وعدم إعطاء المناسبة ما يليق بها قبل زهاء أسبوعين وتعهد بالقول «سنعمل على مواصلة نفس النهج من اجل رفع راية تونس عالية ...لا نتنكّر لتاريخنا أبدا ولا لمن قدّموا أنفسهم لهذا الوطن من أجل تحريره ولكنّ الوطن لا يتحرّر فقط بتوقيع البروتوكولات أو الاتفاقيات بل يتحرّر الوطن بتحرير العقول ولم تتغيّر تونس بعد الاستقلال إلاّ بعد تحرير العقول ...هناك ربّما قراءات مختلفة ..هناك العديد من المحطات التي يمكن ان يختلف حولها المؤرخون او السياسيون ولكن هناك محطة لا يجب ان تغيب عن اي احد وهي ان نبقى مستقلين ثابتين».

ومن استحضار مناقب ومآثر الزعيم، انتقل قيس سعيّد الى الحاضر عبر التركيز على أهمية الاختلاف في قراءة الأحداث وتكييفها والمقارنة الطريفة صراحة بين الأمس واليوم بحسّ نقدي لتجربة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة وقال: «انتقلنا من الحزب الواحد إلى اللّوبي الواحد وهذا خطير»..

وهذا التوصيف الدقيق للحقبة البورقيبية إن جاز القول وحتى من بعد حقبة الرئيس زين العابدين بن علي وظّفه قيس سعيّد في ما يمكن أن نسميه فضح نوايا خصومه الذين يحاولون اليوم «وضع قوانين على المقاس لتصفية الحسابات الدستورية» في الوقت الذي يحترم فيه هو الدستور الذي منحه حق الاعتراض على هذه القوانين حتى لأسباب سياسية. ويقول سعيد هنا بصرامة أستاذ القانون والسياسي المتعفف الذي يضطلع بأعباء الحكم «نحن في حاجة الى محاكم والى عدالة حقيقية ...تقوم المحاكم على القانون لا على تصفية الحسابات ...هم يقومون بحسابات فيها طرح وجمع ويبررونه بتبريرات واهية لا تستحق حتى الذكر وأخجل من ذكرها».

صحيح أن قيس سعيّد كال مثل هذه التهم لخصومه الذين لم يسمهم مباشرة في مناسبات سابقة رسمية وغير رسمية كاجتماع مجلس الامن القومي ذات يوم، لكن جميع المفردات اللغوية والوقائع الموضوعية وسياقات الخطاب تشير بأصابع الاتهام وبشكل مباشر الى حركة النهضة وشركائها في ما صار يعرف بالحزام السياسي أو بـ«وسادة» الحكومة التي نجد فيها حزب قلب تونس لباعثه نبيل القروي وائتلاف الكرامة لـ«زعيمه» سيف الدين مخلوف !

لقد حمّل رئيس الجمهورية مسؤولية التهاون في إرساء المحكمة الدستورية للحركة الاسلامية وحلفائها فهم «اليوم وبعد أكثر من خمس سنوات وبعد سبات وشقاق ونفاق استشعروا بعض الخطر وتذكروا المحكمة الدستورية وعلوية القانون...إنّهم خرقوا الآجال ووضعوا أنفسهم في وضع مستحيل ولن يجرؤوا على خرق الدستور».

وتحدث مرة أخرى عن «المؤامرة» وعن معاناة الشعب الذي ملّ الفقر وكل أنواع الإقصاء والذي «من حقه المشاركة ووضع نظام سياسي جديد يمكّنه من الآليات القانونية التي تحقق مطالبه».

وتعهد الرئيس بتحمل المسؤولية كاملة مؤكدا عدم استعداده للتعامل مع ما أسماها «اللوبيات ومع من سطا على ثروات الشعب التونسي»، بعبارة أخرى مباشرة: «لا حوار مع اللّصوص وما أكثر لصوصنا» ويستدرك بعد ذلك أنّه لن يتحاور إلا مع من يقدم حلولا متسائلا بشكل استنكاري : «بالنسبة للحوار الوطني... هو حوار حول ماذا ؟ وهل يمكن ان يوصف بالوطني إذا كانت بعض الأطراف لا تملك أيّ تصوّرات ...لا أقول أنهم غير وطنيين لا أتّهم أحدا ولكن هناك من هم مطلوبون للعدالة».

ولعل هذه النقطة بالذات ستُسبّب إحراجا شديدا للمنظمة الشغيلة فالجميع يعلم أن الاتحاد العام التونسي للشغل قدم مبادرة للحوار الوطني منذ مطلع الشتاء وها نحن على أبواب الصيف ولا ردّا واضحا وحاسما من قبل ساكن قرطاج.

ليس ذلك فحسب، فان كلام الرئيس أمس يقفل باب الحوار ـ على الاقل بالشكل الذي ترتئيه المنظمة الشغيلة ـ التي أفرطت قيادتها على ما يبدو خلال الايام الماضية في التفاؤل بالذهاب الى الطاولة برعاية قيس سعيّد نفسه وهو أمر لن يقف عنده النقابيون محايدين.

أما بالنسبة الى «اللصوص»، خصوم الرئيس وهم في نظر الكثيرين «لصوص الجمهورية» وخصوم تونس أيضا ومشروعها الوطني، فنقول مثلما قال أن من يجاريهم في ما يضمرون إنما «هو يجري وراء السراب».