الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



من مأزق دستوري الى آخر أشدّ منه:

أليست العلّة في الدستور المفخّخ القابل لعديد القراءات والتأويلات؟


«الصحافة اليوم»:

أسئلة كثيرة تطرح نفسها بعد التطور الجديد المرتبط بعدم قبول رئيس الجمهورية قيس سعيّد ختم القانون المتعلق بتنقيح القانون الاساسي للمحكمة الدستورية ، والذي يفهم منه عدم امكانية إرساء المحكمة الدستورية اعتمادا على انتهاء آجالها الدستورية التي حددها الدستور بسنة بعد الانتخابات التشريعية، محمّلا المسؤولية في تأخير إرسائها الى أكثر من ست سنوات على هذا الأجل الى المجلس النيابي «فهو الذي يتحمل وحده المسؤولية والآثار التي أدت الى هذا التأخير» واشترط سعيّد قبول الختم بعد «تحققنا من تغليب احكام الدستور».

 

هذا المأزق الدستوري الجديد يعيد الى الاذهان عديد المآزق الدستورية السابقة التي عاشت على وقعها البلاد وآخرها أزمة التحوير الوزاري ورفض سعيد أداء اليمين الدستورية أمامه وتسبب في أزمة سياسية حادة بين رؤوس الحكم وما يزال قائما الى اليوم. كما يطرح هذا المأزق عديد التساؤلات في خصوص هذا الدستور القابل لعديد التأويلات والقراءات والذي اتضح للكثيرين أنه دستور مفخخ منذ البداية، ومتضمن للكثير من المطبات التي تركت المجال فسيحا للجدال وأضاعت الوقت والجهد في التأويلات بعد ان تم التسويق له على أنه «أفضل دستور في العالم». هذا الدستور جعل أصابع الاتهام اليوم ترفع أمام الطبقة السياسية التي وضعته على المقاس الذي أرادته، كما تحمّلها مسؤولية الصعوبات الكثيرة في تطبيق عديد النصوص التي تضمنها، وأهمها عدم ارساء المحكمة الدستورية وإلا فما معنى أن يحدد الدستور إرساء المحكمة الدستورية بسنة بعد الانتخابات التشريعية ثم لا يتم احترام تلك الآجال؟.

وهذه القراءة تنفي بدورها الاتهام عن قيس سعيّد بأنه هو من يسعى الى التعطيل وخلق المطبات بل ويضعه في موضع الساهر على احترام الدستور كما خوّل له القانون ذلك. وبحسب الاستاذ أمين محفوظ فإن هذا الدستور هو بمثابة الجبِّ الذي وضعته أطراف سياسية لغيرها فوقعت فيه. وحسب تدوينة له فإن «من حفر «دستورا» لأخيه وقع فيه». وهو ما يفهم منها أن من وضع هذا الدستور هو أول من وقع في شراكه وأن «الحيلة في ترك الحيل» كما أبدى رأيه بكل وضوح في تدوينة أخرى قائلا أنه «مع محكمة دستورية تساهم حقا في انتقال تونس إلى دولة قانون ولا لمحكمة دستورية صورية في خدمة أعداء دولة القانون».

 

رئيس الجمهورية مخالف بدوره للدستور

 

وعلى العكس من ذلك فان الأستاذ جوهر بن مبارك وفي تدوينة له أكد على أن رئيس الجمهورية بنفسه مخالف للدستور وقال إنه «يستشفّ اجمالا من نصّ رئيس الجمهورية لتعليل ردّه لمشروع القانون أنّه ربّما يستعدّ لرفض ختم مشروع القانون حتّى في صورة إعادة المصادقة عليه في تلاوة ثانية بالأغلبية المعزّزة». وأضاف أن ما يفهم من التعليل انّه يثير طعنا دستوريا شاملا يحول دون إرساء المحكمة الدستورية أصلا، مبرّرا ذلك بأن تجاوز الآجال الدستورية المحدّدة لإرساء المحكمة يعدّ خرقا للدستور غير قابل للتدارك ولن يجوز بعد تجاوز الأجل الملزم والمحدّد انشاء المحكمة الّا بعد تعديل دستوري يغيّر في الآجال، علما وأن أي تعديل دستوري يحتاج بدوره الى وجود المحكمة الدستورية!.

وشدد بن مبارك في هذا السياق على أنه لا يتمنى ذلك قائلا «إن صح فهمي فإن رئيس الجمهورية قد يجد نفسه مخالفا للدستور من ثلاثة أوجه على الأقل، اولا من جهة تعطيل انشاء هيئة دستورية افترض الدستور إنشاءها حتما. وثانيا عدم إرساء المحكمة الدستورية الى حدود اليوم يعدّ خرقا مسترسلا للدستور على امتداد 6 سنوات يتعيّن وضع حدّ له فورا وليس خلق وضعية يصبح معها الخرق دائما وتطبيق الدستور مستحيلا، وثالثا رفض ختم القانون بعد المصادقة عليه بالأغلبية المطلوبة في تلاوة ثانية يعدّ خرقا للدستور باعتبار أنّ ختم القانون في هذه الصورة وبعد انقضاء أجله هو اختصاص مقيّد لا تقدير فيه.

ويتضح من خلال هذه المقاربات المتضاربة أن البلاد أصبحت تخرج من مطبّ لتدخل آخر وتهرب من مأزق لتغرق في مأزق أشدّ من الذي سبقه وكأنه أريد لهذه التجربة الديمقراطية الوحيدة أن تبقى نموذجا ولا يجب السير على منوالها.


نجاة الحباشي