الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الشارع «غير مضمون» في الخصومات الإيديولوجية والسياسية:

حتى لا تصاب البلاد في مقتل..!


بقلم: منيرة رزقي

من الواضح أن بعض الأحزاب السياسية قد اختارت استعراض قوتها عبر الشارع من خلال تجميع الحشود والتجييش. وإذا كان التظاهر حقا دستوريا تضمنه كل الديمقراطيات فمن الأكيد أن مخاطر نقل الاحتقان إلى الشارع كبيرة جدا ولا يجب أن نغفل عنها في هذه اللحظة السياسية المشتعلة.

 

وإذا كان الحزب الدستوري الحر قد ارتأى النزول إلى الشارع لمعارضة السلطة القائمة وقد اختارت زعيمته عبير موسي نهاية الأسبوع المنقضي أن تحشد أنصارها في مدينة سوسة في إطار ما أسمته بثورة التنوير وقد كانت فرصة لتجدد رفضها ومعارضتها الكاملة للمنظومة السياسية بأكملها واعتبارها فاشلة لا تَصلح ولا تُصلح، فإن المفارقة الغريبة حقا أن الحزام السياسي للحكومة سيخرج هو الآخر في مظاهرة يوم السبت المقبل وفق ما أعلن عنه وذلك دعما للمشيشي الذي يترنح تحت وقع ضربات النقد الموجهة إليه من كل صوب وحدب.

وفي السياق ذاته أعلن القيادي بحركة الشعب هيكل المكي انه يشجع أيضا أنصار حركته على الخروج إلى الشارع في نفس اليوم الذي قررت فيه حركة النهضة وبعض الأطراف المشكّلة للحزام السياسي للمشيشي النزول للشارع وذلك يوم السبت الموافق لـ27 فيفري الجاري.

وهنا مكمن الخطر ومرة أخرى مع التذكير بحرية التظاهر كفعل يضمنه الدستور ولكنه يصبح خطرا كبيرا في المناخات المشتعلة.

فمن الخطورة بمكان نقل الاحتقان السياسي الذي يتجسد في أكثر الصور تجليا من خلال ما يحدث تحت قبة البرلمان إلى الشارع والدفع إلى «صراع الديكة» بين المتظاهرين وإذا ما أضفنا حالة التوترات الاجتماعية التي تعيشها تونس منذ عقد من الزمن والتي تفاقمت في الآونة الأخيرة فإن تزامن خروج أطراف سياسية متباينة إلى الشارع ينذر بانزلاق خطير نحو دائرة العنف والفوضى التي يسهل إطلاق شرارتها الأولى لكن لا احد يمكنه التنبؤ بمداها.

ولاشك أن مقولة الشارع ينادي الشارع التي بتنا نصغي إليها هذه الأيام لن تكون سوى طريقا معبدة نحو الاحتراب بين التونسيين الذين تسعى جل الأطراف السياسية إلى تحريضهم من اجل تسجيل أهداف في مرمى الخصم السياسي وهنا سنجد التونسيين يواجهون بعضهم البعض في الشارع وستتحمل القوات الأمنية المسؤولية كاملة لأنها ستكون في الميدان وهذا أمر ينبغي التفطن إليه والانتباه إلى مخاطره.

ولعله من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن الحماس الإيديولوجي الذي يقود الكثير من الأطراف السياسية والذي غذته الخصومات السياسية المتراكمة في السنوات الأخيرة والذي لمسنا مظاهره تحت قبة البرلمان سيفجّر حتما عنفا دمويا إذا ما تحول إلى الشارع حيث لا احد يستطيع التكهن بما سيحدث عندما تلتحم الحشود المتصارعة فكريا وسياسيا والتي وقعت تعبئتها وشحنها لتنفجر في وجه بعضها البعض.

هنا قد يقول البعض بأن هناك مبالغة وتخويفا للناس من النزول إلى الشارع وأن تقابل شقين متعارضين في الشارع لن يشكل خطرا يذكر بل ستتم المظاهرات في شكل سلمي وأقصى ما قد يحدث هو أن يشتم الناس بعضهم البعض ويفرغوا شحنات الغضب في وجوه بعضهم ثم يعودون إلى بيوتهم سالمين دون أن يحدث شيء.

ونكاد نجزم أن من يروجون لمثل هذا الخطاب هم فئات لا تريد الخير لهذا الوطن الذي تفتقر نخبه إلى العقلانية والى الحكمة والتبصّر ويقودها الاندفاع والرعونة من اجل تسديد ضربات إلى الخصم دون إدراك لقيمة الإنهاك الذي يتعرض له البلد بعد أن انهالت عليه معاول الهدم من كل صوب وحدب.

كما أن عقلية «البوز» الإعلامي باتت هي الطاغية أيضا لدى الكثير من السياسيين الذين يهدفون إلى «الشو» أكثر مما ينكبون على ما ينفع الناس وقد لاحظنا أداءهم المخزي في رحاب البرلمان على سبيل المثال.

ولأننا لا نملّ ولا نكلّ من الترديد على مسامع جميع السياسيين من كل الذين يمثلون الطيف السياسي فإننا نعيد مرة أخرى التأكيد على انه لا ينبغي أن نقع في فخ الشارع وأن تأخذنا الحماسة إلى استعراض القوة وجرّ الأنصار إلى الاحتشاد فهذا قطعا لن ينقذ التجربة الديمقراطية المترنحة ولن يقود سوى إلى الفوضى العارمة والاحتراب بين التونسيين.