الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بخلاف الاختبار السابق الذي أسعفه

حبكة سياسية هادئة لسحب الثقة من رئيس البرلمان..!


بقلم: مراد علالة

وسط تكتّم شديد تفيد التسريبات وتصريحات عدد من نواب الشعب أن تقدّما كبيرا حصل في علاقة بجمع التوقيعات على عريضة جديدة لسحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي حيث بلغ عدد النواب الموقّعين الى حد الآن المائة.

 

وينص النظام الداخلي للمجلس على وجوب توفر 73 توقيعا اي نصاب ثلث النواب الـ217 فما فوق في المؤسسة التشريعية لإيداع العريضة وقبولها والنظر فيها من قبل مكتب المجلس وتعيين جلسة عامة للتصويت على الطلب الوارد فيها تصويتا سريا يقتضي الوصول إلى 109 أصوات لاعتماده أو اعتبار الأمر وكأنه لم يكن.

وبما أننا في صلب عمل سياسي بامتياز رغم ما يقال عنه من توصيف سيّئ نتيجة سلوك هؤلاء «السياسيين»، فإن العملية برمتها وخاصة نتيجة التصويت على غاية من الأهمية سواء أرضت هذا الطرف أو ذاك لان المسألة ليست كمية فقط رغم أهمية الأرقام التي ترجّح الكفة بطبيعة الحال، بل المسألة سياسية ومعقّدة وتتضمن كثيرا من الدروس والاستخلاصات.

وهنا لا بد من التذكير ان «نجاة» راشد الغنوشي في 30 جويلية 2020 بعد ان سقطت لائحة سحب الثقة من شخصه بما أنها حازت فقط على 97 صوتا، كانت نجاة مؤقتة إن جاز القول ويبدو أنه لم يستخلص منها الدروس لان التحفظ والطعن صراحة في «الشيخ» بما يمثله ويختزله من دلالات وطنيا وإقليميا ودوليا في أوساط جماعات الإسلام السياسي لا يتناسب مع وضعه محل اختبار و«تحت رحمة» نواب في عمر أحفاده ولا رصيد نضالي أو «جهادي» في سيرهم الذاتية..

ليس ذلك فحسب، سمع «الشيخ» يومها ما لم يقله مالك في الخمر واهتزت صورته في تقديرنا بل يمكن اعتبار الامتحان في حد ذاته ورغم نتيجته النهائية «سقوطا» سياسيا مدويا له ولتنظيمه الذي أصرّت قيادته التي تدور في فلكه على التمادي في تجاهل دلالات ما حصل وايهام النفس بأن راشد الغنوشي لا يعوّض داخل النهضة وداخل رئاسة البرلمان رغم تسجيلنا لبعض الأصوات الخافتة «المعارضة» التي سرعان ما عادت إلى رشدها كما يقال للعمل تحت راية «الزعيم المؤسس» في انتظار المؤتمر القادم..

في المقابل يبدو ان خصوم راشد الغنوشي استخلصوا دروس اختبار الصيف المنقضي وهم مقرّون العزم على اجتياز الامتحان «الرئيسي» و«الكبير» هذا العام بكل ضمانات النجاح بالإصرار على حبك عملية سحب الثقة برمتها على قاعدة صفر أخطاء وصفر انقلابات بالخصوص.

لقد بدأ مسار سحب الثقة الجديد من راشد الغنوشي بمبادرة عملية من الحزب الدستوري الحر الذي أعلنت رئيسته منذ يوم 26 جانفي 2021 أي يوم عرض التحوير الحكومي على الثقة أمام البرلمان عن لائحة لسحب الثقة من راشد الغنوشي ودعت بقية الكتل الى التوقيع عليها.

هذه الخطوة لم يستسغها بقية خصوم الغنوشي نظرا لحساسية العلاقة بين الحزب الدستوري الحر وبقية الاحزاب والكتل وخاصة الكتلة الديمقراطية التي قال بعض رموزها أن المسألة سياسية تستوجب تعاطيا سياسيا ناضجا يقطع الطريق أمام فشل المحاولة الثانية لما قد يعنيه ذلك من تأبيد الأزمة وتثبيت الأوضاع على ما هي عليه من بؤس وانتشاء «الشيخ» ومن يدري ردود أفعاله وحلفائه، وعليه كان لزاما وفق أهل الحل والعقد التأنّي وحبك الأمور لضمان النجاح.

ويبدو حتى الآن أن خطوات جمع التوقيعات تسير بثبات وفق تصريحات ممثلي الكتل وقد مكّن تعهد نواب غير منتمين مثل فيصل التبيني ومنجي الرحوي بجمع التوقيعات من قطع أشواط مهمة وإضافة شرط مهم قبل الكشف عن القائمة النهائية وإيداع العريضة وهو بلوغ الـ 109 توقيعا وإشهاد الشعب والوطن والتاريخ والله كما يقول رئيس الجمهورية قيس سعيد حتى يظهر ناكثو العهد إن تجرؤوا على ذلك يوم التصويت في الجلسة العامة وانقلبوا على توقيعهم خوفا أو تملقا أو مقايضة أو خيانة أو غيرها من الإكراهات التي لا تقبل بكل المقاييس.

إن إزاحة راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان لم تعد مسألة سياسية في المطلق رغم أنها كذلك بالنسبة الى بعض النواب المعارضين للاسلام السياسي الذي يمثله «الشيخ» ولكنها مسألة إدارية وتقنية وحياتية في علاقة بالسير العادي لنشاط المؤسسة التشريعية التي تحولت جلساتها العامة الى «حلبة سيرك» بأتم معنى الكلمة علاوة على تعثر عمل مكتب المجلس وتسليم كتل ونواب غير منتمين باستحالة العمل معه وتحت قيادته.

وقد اعترف نهضويون كثر ممن هجروا الحركة في الفترة الاخيرة بهذه الحقيقة على غرار لطفي زيتون وعبد الفتاح مورو الذي أكد أن راشد الغنوشي غير قادر على ضمان الحوار وإدارة التوازنات والتوافقات داخل المجلس بين الجميع دون حسابات ضيقة.

إن من حق حركة النهضة في تقديرنا الحفاظ ربما على كرسي رئاسة البرلمان في ظل نتائج الانتخابات وترتيب أحجام الاحزاب والكتل وحقيقة تحالفاتها وأحزمتها، لكن «الشيخ» لم يعد قادرا على ضمان القيام بهذا الدور وفق المقتضيات القانونية والأخلاقية وأصول العمل المؤسسي الشفاف، فلم نعد قادرين على التفريق بين مجال تحرك رئيس النهضة ونشاطه وأجنداته ورئيس البرلمان وما الذي يُلزم الحركة وما الذي يتنزل في صلب دور مجلس نواب الشعب ورئاسته على وجه التحديد.

إن معالجة ملف رئاسة البرلمان سيمكّن أيضا من تعزيز فرص حلحلة الأزمة السياسية بالبلاد من خلال توضيح الأدوار والأحجام والمقامات وفي صورة فشل ذلك سيكون الخيار الذهاب إلى أبغض الحلال وهو الانتخابات المبكرة آجلا أم عاجلا.