الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



قضية المساواة تحيي أشباح الماضي:

استحالة الحريّة في مناخ الاستبداد


بقلم: خليل الرقيق

على مشارف 13 أوت، التاريخ الرمزي للطفرة المساواتية الكبرى بين الجنسين، تقف تونس الآن وهنا أمام مفترق حاسم، وربما سيكون له شديد الأثر في تحديد ملامح تموقعها المستقبلي في خارطة العالم... ونحن لا نتحدث فقط عن تقرير لجنة المساواة والحريات الشخصية الذي يبقى جهدا فكريا وقانونيا قابلا للنقاش والتعديل والتحيين، بل نتحدث أساسا عن الرياح المعاكسة التي أثبتت من خلال العنف الذهني الذي جوبه به التقرير، أن منظومة التخلف قد زحفت على جزء غير هيّن من النطاق الاجتماعي والسياسي، بشكل يجعل مهمة قوى التقدم الآن، أصعب من مهمة دولة الاستقلال عام 1956...

وبنظرة بسيطة الى مستوى التجييش الظلامي ضد مبدإ المساواة الكاملة بين الجنسين والذي يتأهب اليوم للتظاهر تحت جناح الوزير السابق للشؤون الدينية نور الدين الخادمي...يظهر بالكاشف أن عملية التمكين السياسي للاسلاميين في تونس لم تمر دون انتاج سوسيولوجيا مشوهة اختزنت رؤية شديدة السذاجة والتسطيح لمعنى المساواة والحريات الشخصية، حتى أنها قرأت كل جملة تنويرية بسيطة على أنها اصطدام عنيف مع المعتقد الديني.

قد يقرأ بعض التقدميين تقرير لجنة المساواة والحريات الشخصية بشيء من النقد لبعض المفاصل أو المقترحات، من ناحية التزمين والتوقيت، أو أي شيء من هذا القبيل، وقد يناقشون بعض جمل الديباجة، أو بعض مقترحات الفصول التي يرونها أكبر من طاقة الذائقة التقليدية على الاستيعاب، لكنهم لا يختلفون حول أن مبدأ المساواة والحريات الفردية يجب ان يذهب الى أبعد مدى ممكن، كونه من أساسيات الفكر التنويري... لكن الأمر يختلف عند الحركة الاسلامية في تونس، والتي ترفض المبدأ برمته خشية ضياع ورقتها الابتزازية الأساسية لعقيدة الشعب.

وقد يكون من باب «العقاب» القاسي، أن نضع محل نقاش وجدل، أساسيات حسمتها الانسانية منذ القرن الثامن عشر، ولكن ما العمل وقد حكم المعطى السياسي الفاجع والشنيع، بأن نطرح مبادرة المساواة الكاملة، في مناخ سلطوي يطبق الاسلاميون على مداخله ومخارجه، وحتى مفاتيحه الحكومية، وفي أجواء من الاستسهال والتخاذل غير المسبوق؟

هنا مربط الفرس، فالمبادرة صدرت عن رئيس جمهورية يتأصل ذهنيا في سياق الاختيار التحديثي للدولة، بينما الأطر والمؤسسات التي تمارس النفوذ في سطح السلطة، وخاصة في قاعها، تقع فعليا تحت هيمنة الاسلاميين، فالحكومة أغمضت عينيها عن الفعل الموازي في الفضاء المسجدي، والفعل الموازي في المنظومة التعليمية، وأغمضت عينيها عن «الاسهال التكفيري» في الجمعيات المتناسلة عن لحظة الانفلات الثورجي، والنتيجة واضحة: إننا اليوم أمام مبادرات تؤطّر تونس في مدينة العالم الكبيرة، وفي نفس الوقت أمام ردود أفعال تختزلها في قرية ذهنية معزولة، منسية، تلوذ بتصورات ساذجة للدولة والانسان...

هذا هو المفترق، فأن تعتمل سنن التطور، داخل مناخات سياسية متختلفة، فان المواجهة حتمية بين تصورين للدولة والمجتمع...

التوانسة في مدينة العالم، هذا اختيار تأكد استباقيا في 13 أوت 1956، ، وتقدم نظريا في 13 أوت 2017، لكن كيف سيتجسم في 13 أوت 2018؟

التوانسة في مدينة «الأشباح»، هذا اختيار رفضته الدولة في 1956، ويريده الاسلاميون في 2018، كما أرادوه عبر القرون... فكيف ستكون طبيعة المفترق؟..

إن ميزة القرارات التاريخية الثورية هي أنها تعاكس التيار دون خوف ولا وجل، لكن في الراهن التونسي من الصلف الظلامي، والتواطئ الحكومي، ما يجعلنا نتساءل وبقوة عن المآل والمصير...

ومع ذلك، يبقى الأمل قائما في تجاوز هذا المأزق الكبير، ذلك أن الارادة الضمنية للتقدم تصرّ علميا وموضوعيا على مقاومة «سوسيولوجيا الخوف»، علما وأن الرعب والرُّهاب الذهني الذي زرعه الاسلاميون في عمق المجتمع هو أخطر بكثير مما زرعوه على سطح الحياة السياسية... وتستمر المواجهة بين مدينة العالم الكبيرة، ومدينة «الأشباح»...