الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



حوّلوه من مطلب وطني الى مادّة لتصفيات سياسية:

المشيشي وسعيّد يسدّدان ضربة قوية للحوار الوطني


بقلم : محمد بوعود

صحيح أن ما يظهر على السطح الى حد الان من تصريحات، كلّها توحي بأن الجميع، على الاقل في مستوى أعلى هرم السلطات الثلاث، متشبثون بالحوار، ويريدونه ان ينطلق وان ينجح، لكن الاصحّ ايضا أن كلا منهم قد سدّد له طعنة قاسية، وساهم بقسط وافر في احباطه قبل ان يبدأ.

 

قيس سعيّد، من خلال المماطلة، ومن خلال فرض الشروط، ومن خلال الحكم على من يحضر ومن لا يحضر، ومن خلال تصنيف القوى السياسية الى فاسدين وارهابيين، قد حرم الحوار من اولى صفاته وهي الشمولية، فالحوار وطني بطبعه ويجب ان يكون مفتوحا على الجميع، لا يُستثنى منه أحد، والتجارب المقارنة تؤكد أن الحوارات حينما فُتحت على اساس تجاوز أزمة والمرور الى الحل، لم يُستثن منها حتى من حملوا السلاح ومارسوا العنف والقتل.

المشيشي بدوره لم يدّخر جهدا حين سدّد الطعنة الثانية، طبعا بضغط وتوجيه من حليفه راشد الغنوشي، الذي صوّر له أن التحوير الوزاري هو المعجزة التي ستحل كل المشاكل العالقة وهو الخطوة التي ستخرج تونس من كل أزماتها، واندفع المشيشي طبعا لا يلوي على شيء، وأجرى تحويرا واسعا تقريبا شمل أكثر من ثلث طاقمه الوزاري، وهو يعرف أنه بذلك يضرب عصفورين بحجر واحد، او بالاحرى يوجه لكمات سياسية الى خصمين في نفس الوقت.

الاول هو خصمه/رئيسه، قيس سعيد حين أخرج كل المحسوبين عليه من الوزارة، وقصقص أجنحته في القصبة وضواحيها، وتركه معزولا ما بين قرطاج والمنيهلة، لا يعرف ما يجري في كواليس الوزارات ولا ما يُتّخذ من قرارات.

والثاني نور الدين الطبوبي، الذي ليس خصما للمشيشي، لكنه أزعج القائمين على شؤون الحكم من خلال طرح مبادرته للحوار، وإصراره على تفعيلها، وإصراره بالخصوص على أن تكون تحت إشراف رئيس الجمهورية، واستثنائه بعض الأطراف من المشاركة فيه، وهو ما قرأه المشيشي على أساس أن نتيجته لن تختلف كثيرا عن نتيجة الحوار الذي دعا له الباجي قائد السبسي رحمه الله، والذي كانت نتيجته إخراج السيد الحبيب الصيد رغم انه كان مدعوما بائتلاف رباعي قوي في تلك الفترة، لكنه لم يصمد أمام مُخرجات حوار أشرف عليه رئيس الجمهورية وعاضده اتحاد الشغل وبعض القوى السياسية.

وخشية من تكرر سيناريو الصيد، استبق المشيشي كل الاحتمالات، ووضع الجميع أمام واقع جديد وهو التحوير الوزاري الذي سيذهب إلى البرلمان ويوافق عليه، ويمر إلى رئيس الجمهورية ويمشي عليه، إذن ما الفائدة من حوار أو نقاش ساعتها لإخراج البلاد من أزمتها السياسية، طالما أن هناك حلحلة للضغط المسلط على الحكومة، وطالما أن هناك تحويرا يحظى بتزكية مجلس نواب الشعب ومشروعية رئيس الجمهورية، فما الداعي اذن لحوار وطني سيصل في نهاية المطاف الى اقتراح تحوير او تغيير على تركيبة الحكومة.

ولا شك ان هذه الضربات السياسية التي يسددها خصوم الصفّ الاول للسلطة لبعضهم البعض، قد حوّل الحوار من مطلب وطني يحظى بقبول وتشجيع كثير من الفئات السياسية والمنظمات الجماهيرية، الى مجرد مادّة لتسجيل الاهداف، ومادة لحسم المعارك، ومادة بالخصوص للتشفي من بعضهم البعض، ولاحراج كل طرف للآخر، ومادة بالخصوص للالهاء وكسب الوقت.

لم يعد الحوار بتلك الهالة التي اقترنت بنظيره السابق في 2013 ولم يعد بتلك الكثافة والزخم اللذين كانت المنظمة الشغيلة تعوّل عليهما في تسويقه وتقديمه وطنيا ودوليا على اساس انه الحل الانسب، بل تحوّل بمرور الوقت، وبفعل رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة، الى مجرد ورقة، يشهرها كل منهم في وجه خصومه كلما شعر أنهم سجّلوا هدفا في مرماه، لا أكثر ولا أقل.