الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



اليوم تمر عشر سنوات على «ثورة» 14 جانفي 2011 غير المكتملة

نزر من الحرية... ولهث مستمر من أجل الكرامة!


بقلم : مراد علالة

يختلف التونسيون بحدّة حول توصيف ما حصل بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، حيث يتحدث البعض عن ثورة والبعض عن انتفاضة والبعض الآخر أيضا عن انقلاب، ليس ذلك فحسب، إذ ينوّه طيف بدور الشعب في صناعة هذه اللحظة التاريخية الفارقة فيما يؤكد طيف ثان وجود بصمة خارجية وتدخل قوى دولية واقليمية في ترتيب ما حصل.

 

 

في نفس الاتجاه دائما وفي باب تقييم حصاد السنوات العشر ثمة جزء ـ هو الأكبر في الظاهر ـ يرى ان الحصاد سلبي بل هو مرّ ويغذي حنين البعض للأسف لعهود ما قبل 2011، ويصرّ الجزء المتبقي ـ وهو المستفيد مما حصل ـ على ان كلفة الديمقراطية الناشئة باهظة وطبيعي ان يتعثر ويطول مسارها.

وبقطع النظر عن هذا التباين وهذا الاختلاف الذي يصل حد التناقض الصارخ في الكثير من الحالات فإن حقيقة واحدة ثابتة لا مجال ولا امكانية للقفز عليها وهي أن نزرا مهما من الحرية تحقق للتونسيين والتونسيات بفضل ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة.

ولأصحاب الذاكرة القصيرة أو لهذا الشباب بالخصوص المنتفض منه، والغاضب، والحالم، والتائه والذي لم يكن شاهدا على ما قبل 2011، يكفي فقط التذكير بأن مثل هذا المقال في هذا المحمل الإعلامي بالذات كان «حراما» وجرما لا يجرؤ عليه صاحبه ولا أسرة تحرير الصحيفة بل ان المشهد الاعلامي برمته لا يحتمل مثل هذا الكلام.

ان الحرية هي المكسب الوحيد الذي تحقق للتونسيين وهو مكسب ليس هيّنا على أصحابه وهو مهدّد للأسف اليوم للعديد من الأسباب منها عدم إدراك بعضنا لترابط الحرية بالمسؤولية ومنها بطبيعة الحال خيارات وسلوكات من تعاقبوا على حكم البلاد منذ 2016 والذين ترجموا للأسف مقولة الثورة المضادة على أرض الواقع كما يقال بما أن صدورهم صارت تضيق بهذه الحرية ولم يكن بمقدورهم تحصينها وتعزيزها باستكمال تحقيق أهداف الثورة.

لقد اجتنبنا الحديث عن الانتفاضة أو الثورة التي تعني القطيعة بين حقبتين، ورفضنا رواية الانقلاب الذي يسيء الى تضحيات التونسيين رغم اعترافنا بأهمية العنصر الخارجي وتقاطعه مع الداخل، لذلك نوصّف ما حصل ببلادنا بأنه ملحمة لم تكتمل،والملحمة يصنعها الأبطال وشعبنا يزخر بالأبطال، وحتى ان لم تتحقق شعارات الملحمة المنادية الى جانب الحرية بالكرامة وما تمثله وتجمعه من قيم ومبادئ وحقوق متأصلة في الذات البشرية، فإنّ مسيرة البحث عن الكرامة مستمرة شاء من شاء وأبى من أبى.

والكرامة لا تتحقق ولا تكتمل في غياب التشغيل والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية والمساواة وفي ظل حكم عادل وقوي يستند الى القانون ويقوم على المؤسسات الصلبة التي تسودها الحوكمة والنزاهة والشفافية.

إنه من المؤسف بعد عقود من التضحيات لأجيال عديدة من التونسيين الذين وهبوا حياتهم من أجل تعديل بوصلة الوطن وإقامة الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية ـ ولا نتحدث عن أصحاب المشاريع الظلامية ـ أن يقع التفريط في أهم فرصة تتاح لهم للتغيير الجذري وهاهم يضيفون عقدا آخر من الكرامة المهدورة إن جاز القول فكل الاحصائيات والرسوم البيانية، خطوطها حمر وتنذر بالأسوإ إذا لم يقع التدارك وتصحيح المسار.

في تونس اليوم وبعد عشر سنوات من رفع شعار الحرية والكرامة يواصل المئات من حاملي شهادة الدكتوراه الاعتصام في بهو وزارة التعليم العالي ويواصل الآلاف من الشباب إلقاء أنفسهم في عرض البحر هربا من الجحيم وبحثا عن جنة موهومة في الضفة الشمالية للمتوسط، ويقدم العشرات أيضا على الانتحار، وعرّت جائحة كورونا ما تبقى مستورا من قبح الواقع الصحي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقيمي.

وحتى التقدم في المسار السياسي ورغم ما غنمه الساسة من الحرية فإنّ هؤلاء الساسة وخصوصا من تداولوا على الحكم هم أصحاب المسؤولية الرئيسية في هزال الحصاد وفي عتمة المشهد اليوم، فالديمقراطية ليست فقط مسألة تقنية بل هي أيضا خيارات وسلوكات وكما هو معلوم لا يمكن بناء الديمقراطية بغير الديمقراطيين ولا نخال أن المضطلعين بأعباء الحكم منذ 2011 ديمقراطيون فهم تشبثوا فقط بقشورها وتلابيبها وامتيازاتها المادية دون تفعيلها وتجذيرها وربطها بأبعادها المتعددة التي تشمل التنمية والعدالة والمساواة والحرية والانعتاق الاجتماعي والسيادة واستقلال القرار الوطني وهي في تقديرنا شعارات الملحمة التي لم تكتمل والتي ما تزال قابلة للتصويب والانتصار.