الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



رغم تفشي وباء كورونا..

تونس حبيسة الحوار والتحوير..!


بقلم: لطفي العربي السنوسي

نحن على حافة «الهافّة».. و«الهافّة» كما وردت على لسان نبيل القروي (فرّج الله كربه) هي الهاوية... ولا وجود «للهافة» في هذا السياق بل هي استنباط يُنسب للقروي في حديث له الى احدى التلفزات وقد القى بها خطأ في السياق الخطإ بما ان «الهافّة» ليست مرادفا للهاوية بل هي صفة تطلق كما ورد شرحها في المعجم الوسيط على الإبل التي تعطش سريعا ويُقال: «إبل هافة أي سريعة العطش..».

 

ورغم ذلك فاننا نستعير المصطلح ونستعمله ـ هنا ـ في السياق الخطإ للتنكيل باللغة التي لم تعد قادرة على التعبير عما تعيشه تونس اليوم من بؤس ومن إحباط بسبب سياسييها أصل نكبتها ما يؤكّـد عمق «الهافة» (أي نعم الهافة وما أدراك ما الهافة..!!) التي تشهدها البلاد التونسية في الذكرى العاشرة لثورتها المشهودة والتي كانت وما تزال ارتداداتها السلبية أكبر وأضخم من كل ما نعتقد أنه «منجز ثوري».

الأزمة في تونس وبائية وسياسية ودستورية وأخلاقية ـ ايضا ـ زائد الازمة الاقتصادية والمالية بطبيعة الحال التي رمت بثقلها على كل مساحات التفاؤل الممكنة وأنهكت جسد البلاد المعلول وقد أصيب في مقتل منذ تلك القدحة التي صدّق فيها التونسيون أنهم قد أشعلوا ثورة ـ بالفعل ـ وقد علقت نارها ـ بعد ذلك ـ بتلابيبهم فاشتعلوا أو احترقوا أو ماتوا أو هم بصدد تجرّع المرارات تباعا وبتفاوت..

دشّنت حكومة السيد هشام المشيشي بداية العقد الثاني من «الثورة» وهي التي تشكّـلت في الأشهر الأخيرة من العقد الأول ولا يتجاوز عمرها ـ في الواقع ـ الأشهر الثلاثة فهي بذلك حكومة حديثة العهد بالحكم ورجالها رجال ادارة لا عهد لهم بشؤون الدولة وإدارتها والسيد المشيشي رئيس الحكومة هو كذاك التلميذ الذي عزم على ان يكون استثنائيا وخارقا ومتفوقا في سنته الدراسية الأولى ووعد أهله بذلك الا أنه اصطدم بحائط غير مرئي صلب افقده توازنه وحوّله الى كائن لا حول ولا قوة له غير طلب الرحمة من السماء..

علينا ان نقرّ وأن لا ننسى بان الرجل قد وجد نفسه خلال الاسبوع الاول من تسلمه لمهام رئاسة الحكومة في مواجهة حرب لم يخبرها ولم يكن نديدا لها ولم ينتق لها ـ ايضا ـ رجال دولة أشداء بل اختار سيرا ذاتية «لتقنيي معرفة ادارية» ليسوا مؤهلين ـ في الواقع ـ لادارة أزمات بحجم الأزمات التي تعيشها تونس ثمّ وجد نفسه محاطا بالأحزاب المتهافتة على الحكم التي سعت اليه واحتوته بعدما تخلّى عنه الرئيس قيس سعيد واختار «التآمر» عليه لإزاحته وكان هو الذي اصطفاه ـ في البدء ـ لرئاسة الحكم تحت عنوان الشخصية الأكثر كفاءة...

لم تتوفر ـ صراحة ـ للسيد هشام المشيشي المساحات والسياقات المثلى للعمل بارتياح وبوثوق... ولا رجال دولة من الحجم الثقيل ولا حزام حزبي صلب يحصّنه ويحمي وجوده من المتهافتين ولا كتلة برلمانية تسنده وتقوّي وجوده على رأس الحكومة... لم تتوفر له ذات المعطيات السياسية والحزبية التي توفرت للذين سبقوه على غرار الحبيب الصيد مثلا أو يوسف الشاهد والفخفاخ أيضا وكان عليه أن يختار بين أمرين اثنين لا ثالث لهما إمّا الرضوخ ـ تماما ـ لتعليمات القصر وبالتالي التحوّل الى موظف لدى الرئاسة برتبة وزير أول أو الذهاب عميقا وسط مسار صعب ومملوء بالمزالق ما وقع فيه السيد المشيشي ـ في الأخير ـ كملاذ لامهرب منه -في الواقع - حتى يستمر بعيدا عن ضغوطات القصر وبضمانات استمرار برلمانية ـ أيضا ـ من طرف الحزام الذي احتواه بعد اصطدامه بالرئيس قيس سعيد، أي النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة... ثلاثي ساهم في توسيع الهوّة بين رئيس الحكومة والرئيس قيس سعيد ويسعى ـ الآن ـ أو هو يدفع بقوّة نحو تحوير وزاري يكون له فيه كل الغنم ما أوقع السيد هشام المشيشي في مأزق جديد وثقيل ووضعه بين مطارق مختلفة...

مطرقة الرئيس قيس سعيد الغاضب بشدّة على رئيس الحكومة وعبّر عن ذلك من خلال بلاغ صدر أول أمس عن رئاسة الجمهورية وفيه تأكيد على أنّ الرئيس لا علم له ولا أحد تشاور معه أو أبلغه أن رئيس الحكومة بصدد التشاور مع الأحزاب في شأن التحوير الحكومي والبلاغ الرئاسي يؤكد على أن الرئيس هو الضامن لوحدة البلاد وبالتالي كان من المفترض إعلامه بانطلاق المشاورات حول التحوير الحكومي.

في الجانب الآخر نجد مطرقة الائتلاف الحزبي والبرلماني الذي يعتبر ضمانة لاستمرار المشيشي وحكومته وهو الائتلاف المؤهل ـ فعليا ـ لسحب الثقة من الحكومة وبين يديه ـ أيضا ـ تمرير أي تحوير حكومي أو اسقاطه ما لم يكن طرفا فيه... وهذا الائتلاف بصدد الضغط على السيد رئيس الحكومة للتسريع بإجراء تحوير وزاري بشروطه أي بشروط الائتلاف وبالتالي الذهاب الى حكومة حزبية ثلاثية الدفع أي تشكيلة نهضوية زائد قلب تونس مع «ملائكة الكرامة» ويبدو أن السيد نبيل القروي بصدد ادارة هذه الاختيارات من حبسه بسجن المرناقية وقد توجه منذ يومين بخطاب الى قيادات حزبه لفصل الوصل مع حكومة المشيشي ما لم يسارع بتحوير وزاري يكون فيه «قلب تونس» قلب الرحى وهو ما تدفع اليه حركة النهضة بدورها التي يسعى رئيسها راشد الغنوشي الى اقناع رئيس الحكومة باجراء تحوير بمعزل عن الرئيس قيس سعيد متعلّلا في ذلك بمنصوصات الدستور والذي يؤهل رئيس الحكومة لاجراء ما يراه من تعديلات على حكومته دون العود الى رئيس الجمهورية الا في خطتي وزيري الخارجية والدفاع (الفصل 92 من الدستور).

مرحلة صعبة يمرّ بها السيد رئيس الحكومة ونحن هنا لا ندافع عنه ولا ننتصر لفشله في أكثر من ملف وانما نذكر بمعوقات مختلفة وصعبة حاصرته منذ تولى رئاسة الحكومة أولها حرب مفتوحة مع وباء الكورونا فشلت حكومته في خوضها رغم عدم اقرارها بذلك... زائد ضغوطات صندوق النقد الدولي الذي أصبح حذرا في تعامله مع تونس التي أصبحت كذلك «المتسوّل الركيك» لهذا الصندوق باعتبار احتياجاتها الى دعم يسمح لها بالخروج الى السوق المالية الدولية لتعبئة 12،7 مليار دينار تونسي لتغطية العجز في ميزانية 2021، نضيف الى هذا ثقل الضغط الذي يمارسه قيس سعيد على رئيس الحكومة زائد ضغط حزامه السياسي في اتجاه تحوير وزاري مستعجل وفي الجهة الأخرى احتجاجات اجتماعية بصدد التوسّع واضرابات في أغلب القطاعات الحيوية مع توقف الانتاج في فسفاط قفصة مع حوار وطني ملتبس وغامض لا مداخل له ولا مخرجات... لهذا كلّه نقول بان السيد رئيس الحكومة إنما يجلس على كرسي هزّاز ومن تحته أرض رخوة قد تأكل كل النوايا الطيبة...

هل بإمكان السيد هشام المشيشي أن يواجه كل هذا الاختناق بحكومة أصبحت كفاءة بعض وزرائها محل تندّر...؟ لا نعتقد ذلك... بل نرى التحوير ضروريا الآن وليس غدا... فهل بامكان السيد المشيشي بعدما تخلص من دائرة الرئيس أن يتحرك خارج مدارات حركة النهضة وقلب تونس زائد ائتلاف الكرامة...؟ صعب بل قد يكون مستحيلا خاصة بعدما أحكمت النهضة ارتهان القصبة برمّتها...

السيّد المشيشي تحاصره الآن ثلاث آفات، الكورونا والحوار الوطني والتحوير الحكومي.. ولا نرى له ملاذا آمنا في كلّ هذا..!