الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعد عشرية كبيسة ما بعد الثورة:

ما الذي جناه التونسيون..؟


ونحن نضرب موعدا جديدا مع 14جانفي ، نستقبله مرة أخرى بعد عشر سنوات من الإطاحة بالنظام السابق احتجاجا على الدكتاتورية والفساد وغياب العدالة الاجتماعية والبطالة والمحسوبية .هل بقي لهذا الموعد معنى اليوم في أذهان التونسيين وماذا تحقق لهم بعد عشرية من التخبط السياسي والتأزم الاقتصادي والاحتجاج الاجتماعي ، الذي انضاف له تفاقم الوضع الوبائي وتداعيات جائحة كورونا امام عجز الفاعلين السياسيين عن احتوائه، أو حتى عن فرض الالتزام الاجتماعي وتطبيق الاجراءات الوقائية لمواجهة التسيب والتهاون وعدم الشعور بالمسؤولية من طرف الكثيرين .

 

رغم كل هذه الصعوبات السابقة الذكر التي اتسمت بها العشرية الماضية من تاريخ البلاد وطبعت حياة التونسيين إلا أن السيد عبد اللطيف الحناشي المؤرخ والمحلل السياسي يعتقد أن أكبر معنى لـ14 جانفي هو ما نتمتع به من حرية وهي التي تشكل في نظره نقطة أساسية ومحورية يمكن ان تمثل مقدمة لكل التغييرات التي ستحدث لاحقا . ويعتبر بالاعتماد على منهجية المقارنة أن كل الثورات وكل عمليات الانتقال في العالم تطلبت وقتا ليس بالقصير لتحقق اهدافها فما بالك بالثورة التونسية التي هي في نظره ثورة نوعية لم يكن وراءها حزب سياسي أو إيديولوجيا أو قيادة كما لم تستعمل العنف . وكانت عبارة عن حركة تلقائية شعبية رفعت شعارات الشغل والحرية والكرامة. وشدد الحناشي في هذا السياق على أن تونس خلال هذا العقد من الزمن أي منذ 14جانفي2011 إلى اليوم لم تحقق سوى الحرية والدستور والتداول السلمي على السلطة. وهذا وفق تقييمه حدث كبير وهام في بلدان العالم الثالث لا سيما بعد متابعة ما حدث مؤخرا في الولايات المتحدة الامريكية من طرف أنصار ترامب وخاصة اقتحامهم مبنى الكابيتول.

ولئن أقر المؤرخ في هذا الصدد بحجم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي تعيشها البلاد إلا أنه اعتبر أن ذلك راجع إلى أن هذا الانتقال الديمقراطي قد ووجه بمجموعة من الاكراهات والصعوبات منها الخارجي ومنها الداخلي، مشددا على أن الإكراه الداخلي الكبير تمثل في النخبة السياسية التي جاءت بعد 2011 وكانت غير قادرة على التصرف في الازمة وسقطت في نقاشات وحوارات سطحية حول قضايا كان بالامكان تجاوزها وفق قوله . ولكن رغم ذلك ومهما كان الأمر يرى المؤرخ والمحلل السياسي أن كل ذلك انما يشكل نوعا من التراكم وتأسيسا للفكر وللبرامج لعقود قادمة، قائلا في هذا المستوى أن «الحرية والنقاشات الموجودة بالبرلمان بكل بذاءتها قد أدخلت نوعا من الوعي السياسي لدى المواطن التونسي كان مفقودا» كما ابرز أنه من الممكن بعد سنوات القيام بتقييم شامل ودقيق لمدى نجاح الثورة التونسية على المدى الزمني، مؤكدا في هذا السياق على أن أية ثورة لا تتحقق أهدافها في ظرف 10 أو 15 أو 20 سنة بل تتطلب مدى زمنيا هاما للقيام بذلك ولا سيما فيما تعلق بالثورة التونسية التي لم يكن يقودها حزب أو فكر أو طبقة إجتماعية على غرار الثورة الروسية أو الفرنسية أو الصينية. داعيا في هذا الصدد إلى ضرورة تأصيل هذا المفهوم إن كان ثورة أو انتفاضة فيما يميل هو إلى تسميتها و اعتبارها انتقالا ديمقراطيا.

ثمن الحريات العامة كان باهظا

ولا يختلف المؤرخ عبد الجليل بوقرة عن سابقه في اعتبار أن الثورة لم تحقق سوى جزء هام من الحريات العامة دون الحريات الخاصة في ظل إخفاق عام .اذ تراجعت في نظره الحريات الخاصة بعد الثورة بينما أصبحت للحريات العامة مساحة كبرى وهو ما اعتبره في الواقع مكسبا كبيرا خاصة عند مقارنته بواقع الحريات العامة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. قائلا: «إن ثمن كتابة مقال وتوزيعه بشكل غير قانوني وغير مرخص فيه قد يتسبب لصاحبه في سنوات طويلة من السجن» إلا أنه استدرك أن هذه الحريات العامة كان ثمنها باهظا ودفع إلى اضعاف الدولة إلى درجة لم يسبق لها مثيل، فضلا عن ارتهانها إلى الخارج وارتهان الأجيال القادمة معها. وقال أن الثورة لم تحقق اهدافها في ظل انهيار الاقتصاد التونسي ونفور المستثمرين من البلاد مشيرا الى أنه تكفي نظرة سريعة للأسواق التونسية لاكتشاف إنهيار الصناعة الوطنية لصالح المواد المستوردة من الخارج بعد أن كانت توفر الشغل لمئات الآلاف من التونسيين، وتعمّق الأزمة الهيكلية للفلاحة فضلا عن تفشي الجريمة والارهاب في البلاد وتوسع دائرة الفساد . وأبرز المتحدث في هذا الصدد انه اذا لم يتم الالتفات إلى هذه الآفات والإسراع بإنقاذ البلاد منها واعادة الحيوية للدولة «فإننا سنفقد ايضا مكسب الحريات العامة» لأن المواطن في نظره وهو الذي يدفع الثمن ايضا يعاني بصفة يومية من غلاء المعيشة وفساد الإدارة وتفشي الجريمة في الشارع وسيبحث عن أية قوة منقذة أو شخصية حتى وإن كانت هذه القوة المنقذة أو هذه الشخصية لها أفكار استبدادية وأصبح مستعدا للتضحية بالحريات العامة من أجل لقمة العيش وأمنه وأمن اطفاله . وحمل السيد عبد الجليل بوقرة النخبة التونسية بمختلف مستوياتها سواء منها الفاعلين السياسيين الذين يحكمون أو الفاعلين في المجال الإعلامي والأكاديمي أوغيرهم المسؤولية فيما آلت اليه البلاد بعد عشر سنوات على 14جانفي 2011 .قائلا أن النخبة في كل المجتمعات والتي من المفروض أن لها عقلا مفكرا على عكس العقل الغريزي للشعوب هي التي توجه الشعب إلى الاختيار الصحيح غير أنها في تونس للأسف تخلت عن دورها وفق قوله وأصبح لها بدورها خطاب شعبوي.

وقال أن النخبة أثبتت انها من الهواة ولا علاقة لها بالدولة. إذ أن تسيير الدولة هو شأن مرتبط بالكفاءة لا يوجد فيه محاباة أو موالاة او ارتباط بايديولوجيا معتبرا أن زمن الايديولوجيات قد انتهى كما أن زمن المنظومات الحزبية بدوره قيد المراجعة الان . إنقاذ الدولة أم المعارك : وحتى لا تضيع عشرية أخرى من عمر التونسيين ومن عمر البلاد شدّد بوقرة على ضرورة إبتعاد النخبة عن الشعبوية والتحلّي بالشجاعة الكافية والجرأة من أجل القيام بدورها.

وفي اطار اتخاذ القرارات المناسبة والانطلاق في الاصلاح وفي إنقاذ البلاد حتى وإن كانت هذه القرارات موجعة ومؤلمة وان تكون مثل الطبيب للمريض ينجز العملية الجراحية حتى وإن رفض المريض ذلك، وقال أن إنقاذ البلاد يجب أن يكون الاولوية الآن كما أن إنقاذ الدولة يجب أن يصبح أم المعارك في الفترة القادمة اذ دون دولة لن نحظى بحريات عامة أو خاصة ولا بأي مكاسب وفي غيابها لن يجد الضعفاء والمحتاجون من يسمع صوتهم أومن يدافع عنهم.

 


نجاة الحباشي