الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



فرضت سطوتها وتحوّلت الى ندّ للدولة...!

قطاعية مقيتة تهدّد السلم الأهلي...


بقلم: منيرة رزقي

ارتباك عام وفوضى عارمة غذّتها قطاعية مقيتة حيث لا مكان للمواطن ومصلحته سوى في دائرة المهنة الواحدة واحتقان اجتماعي في مختلف الجهات يحمل نذر انفصالية بالغة الخطورة وغير مسبوقة في بلادنا حيث تطالب كل جهة بريع ما تنتجه أو تحتكم عليه أسوة بما حدث في الكامور عندما منحت امتيازات للجهة بعد إيقاف فانة النفط. وقد بات السلم الأهلي مهدّدا بعد أن عشنا طوال تاريخنا على التباهي بالانصهار الاجتماعي الذي تتميز به تونس التي تنسجم كل جهاتها تحت لواء المواطنة دون نوازع عرقية أو طائفية أو دينية أو قبلية.

 

 

 

 

وفي سياق متصل تبدو مؤشرات التعليم بمختلف مراحله من الابتدائي إلى الإعدادي ومرورا بالثانوي ثم العالي مخيّبة للآمال مع العلم أنه يشكل الرافعة الاجتماعية والقاعدة التي بفضلها يتحقق النهوض الحضاري الشامل.

وحدّث ولا حرج عن مؤشرات القطاع الصحي حيث عجّلت جائحة كورونا بانهيار الصحة العمومية ولولا مكابدة البعض من الجيش الأبيض لانتهى الأمر.

الوضع الأمني يمكن تلخيصه في غياب الأمان والطمأنينة في نفوس التونسيين بمختلف فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية وهم الذين يعيشون رعبا حقيقيا على أرواحهم وأهلهم وممتلكاتهم حيث التهديد يقبع في كل ركن من الشارع التونسي ولا نحتاج إلى استعراض وقائع الاغتصاب والقتل والسطو المسلح وهي التي أصبحت عنوانا من عناوين معيشنا اليومي وآخر ما يستوقفنا هو جريمة القتل البشعة التي راح ضحيتها شاب في مقتبل العمر دافع عن سيدة حامل تعرضت إلى «براكاج» في وضح النهار وأمام أعين الجميع.

في هذا الخضم المتلاطم ووسط عاصفة هوجاء تسير سفينة تونس وقد بدأ الماء ينفذ إليها من كثرة الثقوب وليس في الأمر إنشاء أو صور أدبية بل هي حقيقة الموقف كما نعيشه اليوم، في الأثناء تنشط معاول وفؤوس الهدم في كل مكان حيث باتت منابر الإعلام الجماهيري فضاءات للتجييش ضد الخصوم السياسيين وبات الاصطفاف سيد الموقف وفتحت أبوابها لكل من هبّ ودبّ.

أما منابر التواصل الاجتماعي التي أزعم أننا أسوأ الشعوب تعاملا معها فقد باتت بمثابة صفائح القمامة التي يحوم حولها الذباب حيث ينشط الشتّامون بمنتهى الحرية وحيث يستبيحون أعراض الناس ويتسابق الجميع لنشر الأكاذيب والإشاعات ويجعلون من الحمقى مشاهير وهم يعيدون نشر غسيلهم .

إذن هي ملامح المشهد التونسي الراهن ولكن هل ثمة إمكانات للإنقاذ ؟؟؟ وهل هناك رجال قادرون على فعل الإنقاذ ؟؟؟

من المؤسف أن نقرّ بأن إمكانات الإنقاذ تضعف يوما بعد آخر وأن شبح الصوملة بات أمرا واقعا رغم أننا كنا نعتبره من قبيل الخيال العلمي في السنوات الأولى التي تلت 14 جانفي 2011.

ونظرا لكل المعطيات الواقعية التي أوردناها يمكن القول إن إنقاذ تونس بات من قبيل المهمات المستحيلة في ظل غياب شروط انجازه وفي سياق عدم وجود «الأقدر» على خلق هذه الشروط في صفوف الفاعلين السياسيين الذين يحتلون المناصب العليا ولا نحتاج إلى التذكير بأدائهم المرتبك والمتهاون منذ أن تم انتخابهم قبل سنة من الآن.

وبعد أن كنا نسوّق لنموذج الانتقال الديمقراطي الاستثنائي في المنطقة يمكننا الآن أن نسوّق لمثال حي عن قيادة بلد نحو الانهيار حتى يتعظ غيرنا ويتعلم منه.

فمن المفارقات العجيبة أن الذين جاءت به الصدف لحكمنا منذ عشر سنوات «أبدعوا» في تحويل تونس إلى بلد فاشل بكل المقاييس وقضوا على كل بقع الضوء فيه وقتلوا كل إمكانات الإبداع فيه و«قادوه» والحقيقة تقال بمنتهى «الاقتدار» إلى حافة الانهيار وذلك بسلوكهم الانتهازي الباحث عن الغنائم الذي يرى في تونس بقرة حلوبا ينبغي استغلالها حتى تنزف الدم أو من خلال الغرق في المناورات الجبانة لكسب الوقت خوفا على المناصب التي وصلوا إليها في غفلة من التاريخ أو بفعل العجز عن اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب وهو ما يميز جماعة الأيادي المرتعشة الذين لا يمتلكون مقومات القيادة بالإضافة إلى غياب العقلانية والرصانة حيث ابتليت بلادنا بشخصيات سياسية يغلب عليها التسرّع والافتقار إلى الحكمة والتبصر سواء على مستوى التصريح أو الفعل وهو ما نراه يوميا من خلال الصراعات والنزاعات التي لا تنتهي في حرب الكل ضد الكل حيث لا مجال للتفكير الرصين في مسألة إنقاذ البلاد هذه المسألة التي باتت متعذرة في الوقت الراهن.

فعندما تغيب الشجاعة والعقلانية والتعفف على المسؤول السياسي يصبح عاجزا عن الفعل والإنجاز وهذه حكمة العقل الغربي الذي ابتكر العلوم السياسية وأسس الديمقراطية.

وها أننا جميعا نتابع هذا الإنهيار الكبير كما تقدمه الوصفة التونسية، على سياسيينا أن يتسلّوا بقراءة كتاب كيف تقود بلدا إلى فشله للكاتبة ايس تيمالكوران علّهم يستفيقون قبل غرق السفينة.