الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعيدا عن المراجعات الضرورية بشأن هوية النهضة ومشروعها:

«التدافع» حول المواقع يحتدم ويلقي بظلاله على المؤسسات


بقلم: مراد علالة

بلغت «العركة» داخل النهضة نقطة اللاّعودة وها هي قيادات الصف الاول وما بعده تنتفض ونفس الأمر بالنسبة للقطاعات والجهات والأجيال التي نزلت بثقلها في الميدان كما يقال للتعبير عن رأيها في ما صار يعرف بأزمة قيادة التنظيم وتعثّر عقد المؤتمر الحادي عشر وإصرار الشيخ راشد الغنوشي على البقاء حيث هو الآن وحتى أبعد من ذلك في أفق 2024.

 

وبلغ الامر ذروته نهاية الاسبوع بانعقاد الدورة 44 لمجلس الشورى الذي شهد في سابقة في تاريخ التنظيم انسحاب 24 عضوا من بين 111 عضو احتجاجا على جدول الاعمال وفق بلاغ توضيحي للحركة، والمنسحبون أغلبهم من الموقّعين على عريضة المائة الذين دخلوا في «عركة» مع الشيخ راشد الغنوشي حتى لا يمسّ الفصل 31 من النظام الداخلي للحركة الذي يمنعه من ولاية ثالثة. إن هذه الدورة الاخيرة للشورى هي نقطة البداية لخروج «التدافع» بين قادة الحركة للعلن وهو يفتح الباب امام سيناريوهات عديدة ستكشفها الايام القادمة واكثرها تعقيدا وربما أثرا على النهضويين وحتى على البلاد دون مبالغة انفراط عقد التنظيم لا على اساس مراجعات نظرية عميقة متصلة بهوية الحركة ودورها ومشروعها وانما «المواقع» داخلها.

في هذا الإطار، وأياما قليلة بعد ترويج «رسالة» مجموعة من شباب النهضة يدعون فيها الى «تأجيل المؤتمر 11 والمحافظة على مؤسسي الحركة»، أعلنت المسؤولة عن الشباب في الحركة جوهرة التيس في تدوينة نشرتها على صفحتها الرسمية على الفايسبوك قبل ايام عن استقالتها رسميا من التنظيم وكشفت أن سبب الاستقالة هو أنّ العمل داخل الحركة أصبح «استنزافا للرصيد الأخلاقي والغاية منه نحت لأساليب ضمان تموقع هنا أو هناك فقط بقطع النظر عن المضمون المطلوب إنجازه». ليس ذلك فحسب اعترفت القيادية النهضاوية انها خلافا لما كانت تظنه بخصوص مشروع الاصلاح الوطني ذي الافق الحضاري الذي قوامه المواءمة بين الاسلام والديمقراطية على حد تعبيرها، وجدت نفسها «في مشروع يراد أن يكون لصالح شخص واحد وحيد مختزل في إرادة الزعيم ومرتهن لمستقبل الزعيم».

ان نص استقالة جوهرة التيس يُعدّ في تقديرنا من أوضح وأصدق الرسائل التي يتبادلها النهضويون هذه الايام في ما يمكن ان نسميه بحرب أو «عركة الرسائل» المشفّرة والمباشرة والتي تؤكد في مجملها ان هامش الفعل السياسي داخل التنظيم قد ضاق بالفعل وأن العمل داخله «لم يعد يراكم الالتزام الأخلاقي النضالي لبناء شخصيات تتهيّأ لإصلاح البلاد وخدمة العباد، وإنّما أصبح استنزافا للرصيد الأخلاقي »...

وبالرجوع الى «الرسائل» و«العرائض» والمبادرات والمناشدات والتصريحات الاعلامية يتضح بما لا يدع مجالا للشك ان «العركة» اليوم داخل النهضة لا علاقة لها بهوية الحركة ولا بالمطبات والاشكاليات التي رافقت وجودها وخصوصا بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة وصعودها لحكم البلاد على غرار مسألة تونسة الحركة وفك الارتباط النهائي مع الاخوان المسلمين فكرا وانتماء وكذلك بدعة الفصل بين الدعوي والسياسي التي كانت شعار المؤتمر العاشر ولم تتحقق وفق اعترافات النهضويين انفسهم علاوة على القيام بالمراجعات الضرورية في علاقة بنبذ العنف وادانة الارهاب في الداخل والخارج والخروج من فلك المحاور الاقليمية والدولية وبطبيعة الحال صياغة وتقديم مشروع وطني لتونس الجديدة يكون متكاملا في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاخلاقية وهو ما لم نجد له أثرا في ما صدر عن «المنتفضين» سواء منهم المطالبون بـ«التغيير» أو الحريصون على تثبيت الامر على ما هو عليه. ولم يكن غريبا في هكذا حال أن يتفطن الشيخ راشد الغنوشي الماسك بأهم أوراق اللعبة داخل التنظيم أو كما يقول البعض «الماسك بالفانا» الى حدود ومحدودية ما يأتيه إخوته فتوجه اليهم بهذه الكلمات ليضع الامور في نصابها وليلخّص على طريقته جوهر «العركة» بالقول في اطلالته الاخيرة على التلفزة الوطنية « اخواني واخواتي في النهضة اكنّ لهم كل الاحترام لقد مارسوا حقهم في حرّية الرأي والاختلاف ونحن لسنا نسخا متطابقة لكننا مجتمعون حول الإسلام الديمقراطي وسلطة القانون والمنخرطون مصدر الشرعية ومن حقهم النقاش في بقاء رئيسهم أو ذهابه».

ان «العركة» أو التدافع داخل النهضة اليوم هو حول المواقع ولا علاقة له بالمسائل الجوهرية التي ذكرناها أي لا علاقة لها بالمسألة الديمقراطية ولا باستحقاقات الثورة وتطلعات شعبنا الى الحرية والكرامة والشغل والعدالة والديمقراطية وغيره ويكفي هنا العودة الى المبادرة الاخيرة للأمين العام السابق حمادي الجبالي الذي اختزل الحل في عودته للأمانة العامة وتعفف الغنوشي عن الترشح لرئاسة الحركة في المؤتمر القادم وعدم المس بالفصل 31 من النظام الداخلي .. وكان الجبالي صادقا صراحة في مبادرته حين أوضح أن «جوهر الخلاف القائم بين الأطراف الفاعلة في الحركة يدور حول مسألة التمديد من عدمه لرئيس الحركة لدورة جديدة في المؤتمر القادم». نفس الانطباع نخرج به عند قراءة رسالة المائة قيادي الاولى وردّ مكتب رئيس الحركة عليها ورسالتهم الثانية، أو عندما نقرأ نص مبادرة عبد الكريم الهاروني ورفيق عبد السلام، وحتى رسالة استقالة لطفي زيتون، أو عندما نستمع الى تصريحات عبد اللطيف المكي وزبير الشهودي وعماد الحمامي ورياض الشعيبي العائد بقوة في موقع «قيادي» في هرم التنظيم الى جانب «الزعيم التاريخي» على حد تعبير هذا الاخير، نتأكد بأن حجم ومسار العركة والتدافع داخل التنظيم هو بمثابة كرة الثلج التي تكبر والخشية ليست فقط في فقدان السيطرة عليها في وقت من الاوقات وإنما التداعيات التي قد تنجر عن تضخم حجمها وانفلات التحكم فيها ولنا في تجارب التنظيمات العقائدية وجماعات الاسلام السياسي تحديدا ذكريات مريرة.