الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عود على جلسة الإنصات لوزيري العدل والداخلية

عود على جلسة الإنصات لوزيري العدل والداخلية


الصحافة اليوم- سناء بن سلامة

تعتبر التصريحات المحمولة على من هم في المناصب العليا للبلاد وخاصة في الحكومة ذات تأثير على الراي العام الوطني، فإما تدخل عليه الطمأنينة او تبعث فيه القلق. ومن منطلق هذه المسؤولية فان من جملة الواجبات التي يتعين على هؤلاء احترامها واجب التحفظ الذي نلاحظ تجاوزه يوميا تقريبا من حكامنا ممن هم في اعلى هرم السلطة وصولا الى الوزراء.

 

ولعل ما صدر مؤخرا عن وزير الدفاع الوطني ابراهيم البرتاجي ووزير الداخلية توفيق شرف الدين خلال جلستي الاستماع لهما من قبل لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح حول مشروع ميزانية الدولة لسنة 2021 من تصريحات حول بعض «كواليس» وزارتيهما انما يصب مباشرة في الخرق الواضح لمبدإ واجب التحفظ المحمول عليهما من منطلق مهمتهما على رأس وزارتي سيادة. و إن كان الهدف مما اثاراه حول ما يقع في وزارتيهما من تجاوزات هو التعامل الشفاف مع نواب الشعب، إلا أن هذا الهدف على نبله لا يشفع لهما «الجرعة» الزائدة من الصراحة، خاصة في جلسة مفتوحة للإعلام الذي من دوره نقل ما أعلناه للرأي العام.

فالتونسيون وبحكم الظروف الصعبة التي يعيشونها نفسيا وماديا وصحيا هم في حاجة الى خطاب مطمئن وخطاب يصالحهم مع مؤسسات الدولة التي هوت صورة أغلبها الى أدنى المستويات بحكم تزعزع الثقة فيها.وإذا ما رجعنا الى ما بقي من وزارات محافظة على هيبتها وصورتها الإيجابية لدى المواطن فسنجد وزارة الدفاع في المقدمة اذ تكاد تكون له الثقة المطلقة في هذه المؤسسة وفي ذودها عن الوطن وحمايته. ولكن هل ستحافظ على هذه الصورة الناصعة بعد ما صرح به الوزير حول إيقاف عناصر من الجيش تتعامل مع المهرّبين وتقوم بإعلامهم بأماكن تواجد القوات العسكرية للإفلات من المراقبة، بالإضافة إلى من ثبُت أنّهم يتعاملون مع جهات أخرى بخصوص الإرهاب؟

فبالرغم من ان هذه التجاوزات التي أكد وزير الدفاع انها تعتبر بمثابة الخيانة للمؤسسة العسكرية وتسببت في عقوبة العزل والاعفاء وفي إيقافات في صفوف مرتكبيها لنيل العقاب الذي يستحقونه وبالرغم أيضا من التأكيد على انها حالات معزولة ولا يمكن تعميمها على مؤسسة الجيش التونسي، الا ان ذلك لن يشفع لها امام المواطن الذي يحمل عنها صورة إيجابية تكاد لا تشوبها شائبة ويكون الوزير قد أسهم بما صرح به في احباط المواطنين من جهة وانهيار صورة هذه المؤسسة من جهة أخرى.

أما وزارة الداخلية فوضعها بطبيعته هش نظرا لكثرة ما يدور حولها من اختراقات حزبية، الى جانب اتهام الأمنيين بعديد التجاوزات تجاه المواطن ما جعل العلاقة بينهما يشوبها الحذر الدائم، وبالتالي لا حاجة لهذه الوزارة الى مزيد ما يهز الثقة فيها. فعلى أهمية إنجازاتها في مواجهة العمليات الإرهابية ومقاومة الجريمة بأنواعها ومحاولة تحقيق الامن ونشره في البلاد الا ان هذه المجهودات دائما ما ينظر اليها على أنها من باب الواجب على هذه المؤسسة والعاملين فيها بمختلف اسلاكهم لتبقى نظرة المواطن لها هي نفسها وأنها عصا الدولة التي تمارس بها العنف.

وعوض ان يخفف الوزير من قتامة الصورة التي يحملها المواطنون عن الداخلية، الا ان الوزير صعّد امام النواب خاصة في ما يخص الاحتجاجات و الاعتصامات التي على وجاهتها فقد أكد أن وزارته لن تتوانى عن اتخاذ التدابير الزجرية والردعية تجاهها في إطار إنفاذ القانون واحترام حقوق الإنسان حسب تعبيره خاصة في صورة مخالفتها للقانون ومسها بمراكز الإنتاج. اذ بالإضافة الى انه رسخ صورة العنف التي يحملها المواطن عن الامن فان شرف الدين أكد ما هو متداول عن اختراقها الحزبي، وغلف هذه المسألة بالدعوة إلى النأي بوزارته عن التجاذبات السياسية لخطورة ذلك عليها مع التوعد الضمني لمن يحاول إدخالها في دائرة الصراع السياسي بانه لن يسمح بذلك حتى يجنبها الاتلاف.

كما ان الصورة تزداد اهتزازا عندما يخبرنا الوزير بغياب النزاهة والحيادية والشرف عند بعض المسؤولين في مواقع مختلفة صلبها الى جانب وجود خيانات لدى بعض المسؤولين للوطن ولضمائرهم ممّا تسبب في تفشي ظاهرة المخدرات مقابل تلقيهم بعض الأموال. والأكثر سوءا في المسألة ان يؤكد الوزير على معرفة من وراء هؤلاء « الخونة» ولم يتم التصدي لهم سابقا ما ترك المجال واسعا لإدخال هذه السموم وانتشارها علما وانه من هنا فصاعدا سيتم التصدي لهؤلاء وانفاذ القانون عليهم بحكم علوه على الجميع. كما أكد على وجود أصحاب الشبهات في مسؤوليات بارزة في وزارة الداخلية.

وهنا يمكن الإقرار بأهمية ما كشفه الوزيران من خطورة الأوضاع داخل المؤسسات السيادية بسبب استشراء الفساد فيها، وهي التي تسلّل لها التعامل مع المهربين والإرهابيين. الا ان مسؤولية الوزيرين في التعامل مع وزارتيهما بما يتوجب من التحفظ الذي يمليه المنصب من جهة والواجب من جهة أخرى يمنعهما من الاصداح بما قدماه من حقائق خطيرة تمسّ من هيبتهما، خاصة في جلسة مفتوحة أصبحت حسب محتواها أقرب ما يكون الى حصة «فرغ قلبك» وكشفت التعامل بمنطق الهواة أكثر من التعامل مع المناصب السيادية بمنطق رجال الدولة.