الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المشيشي في أحضان قلب تونس:

عندما تسقط مقولة الاستقلالية نهائيا...


بقلم: منيرة رزقي

اختار المشيشي الاستعانة بصديق، ليس في الأمر طرافة بل هي الحقيقة إذ راهن رئيس الحكومة على النائب غازي القروي عن حزب قلب تونس ليستعين به في توجيهه أثناء تقديم كلمة إلى الشعب التونسي قامت بتصويرها التلفزة التونسية محاولا الاستفادة من خبراته في مجال الاتصال والتواصل كما قيل والأمر أبعد من ذلك بكثير فهو مؤشر دال على تخبط المشيشي وارتمائه في أحضان هذا الحزب وأنه أصبح أسير تحالفات انقاد إليها في اختيار يشبه الاضطرار وهو ما جعل الاستقلالية التي وسمت بها حكومته تفقد معناها وهو أيضا ما قاده إلى أخطاء كثيرة اتصالية وسياسية.

ونكاد نجزم أنه لا احد في هذه الأيام يتمنى أن يكون في مكان رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي يواجه أزمات متعددة الأبعاد كما أن أداءه حتى اللحظة بدا باهتا على المستوى الاتصالي ومحدودا على مستوى النجاعة والفاعلية على المستوى السياسي.

ورغم أن الموضوعية تقتضي أن يتم تقييم أدائه بعد مائة يوم في المقام الأول ثم بعد ستة أشهر في تقييم ثان ثم بعد سنة في تقييم ثالث لكن جرت العادة أن تكون البداية دالة على ما سيليها فإذا كانت واعدة ومبشرة تفاءل بها عموم التونسيين وراهنوا على الفعل والإنجاز في ما سيأتي وإذا كانت مرتبكة ومتعثرة فإنها ستكون غيمة دونما أمطار ولن يرجى الكثير منها.

والحقيقة أن الأزمات التي تعيشها تونس كثيرة في صدارتها تداعيات جائحة الكورونا مع تردي المنظومة الصحية الموشكة على الانهيار ومع التدهور الاقتصادي غير المسبوق ومع «خريف غضب» اجتماعي وقطاعي يعكس حالة الاحتقان ومع تراجع واضح للأمان الفردي والمجتمعي في ظل تنامي الجريمة وتوحشها دون نسيان الخطر الإرهابي الذي مازال يهدد بلادنا. ولا يمكن أن يواجه المشيشي كل هذه الأزمات إلا إذا اختار الاستقواء بالتونسيين نعني عموم التونسيين الذين هم حصانته الحقيقية وأن يستلهم قوته منهم دون غيرهم وسلاحه هو الاستقلالية والرهان على الكفاءات لتطبيق القانون مع ضمان العدالة للجميع.

ولكن هذا الطرح الذي يقدمه الناصحون للمشيشي والحالمون بتونس أخرى ممكنة لم يكن هو خيار رئيس الحكومة الذي آثر «الاستعانة بصديق» لمواجهة هذه الأزمات والصديق هو في الحقيقة حلف سياسي ارتمى في أحضانه متكون من النهضة الباحثة عن التواجد في السلطة كلف الأمر ما كلف والتي لا ترى نفسها خارج دائرة الحكم بعد «أن استلذذت مباهج السلطان» بعبارة ابن خلدون إلى جانب قلب تونس هذا الحزب الذي يبحث عن التموقع السياسي ويريد النفاذ إلى الحكومة بكل الوسائل متسلحا بمكيافيلية يحسده عليها الأمير إلى جانب ائتلاف الكرامة القادم من تخوم السياسة والراغب بشدة وقوة في أن يكون له موقع تحت شمس السلطة ولذلك غيّر الكثير من المبادئ إذا جازت العبارة التي بنى عليها مشروعه من الأساس.

إذن لم يعد خافيا على أحد أن هشام المشيشي اختار حلفاءه السياسيين وهو بذلك ضرب مقولة الاستقلالية لحكومته في مقتل وهذا ليس من مصلحته الشخصية وليس من مصلحة تونس في هذه الآونة بالذات. ولعله من المهم التذكير أنه إذا كان من ميزة تذكر لهذه الحكومة التي ولدت من الخاصرة فهي استقلاليتها الظاهرة عن الأحزاب التي كانت عنوانا لها منذ البداية. أما بالنسبة إلى رئيس الحكومة هشام المشيشي فمن أهم ميزاته أنه يصنف من الكفاءات المستقلة عن كل الأحزاب وهكذا كان توصيفه منذ أن تولى منصب وزارة الداخلية في حكومة إلياس الفخفاخ السابقة وصولا إلى تكليفه من قبل رئيس الجمهورية على اثر استقالة الفخفاخ في سياق الضغط العالي الذي فرضه الخصوم عليه ورضخ له ليواجه مصيره والتهم الموجهة إليه والمتعلقة بقضية تضارب المصالح الشهيرة.

لكن من الملاحظ أن هناك مياها كثيرة جرت في النهر كما يقول المثل الإنقليزي ومع توالي الأحداث اتضح جليا أن هشام المشيشي لم يعد كما عهدناه عندما كان وزيرا للداخلية وأن رئيس الحكومة ليست لديه المسافة نفسها مع كل الفاعلين السياسيين فقد اختار «حلفاءه» منذ ذاك الغداء الشهير الذي تمت هندسته والتخطيط له لمواجهة ساكن قرطاج. وفي سياق بحثه عن كل إمكانات المرور الآمن لحكومته اختار المشيشي مضطرا أن يرتمي في أحضان بعض الأحزاب التي أرادها حزاما سياسيا له ولحكومته الوليدة وأرادته مطيّة لطموحاتها في التموقع.

وبدا واضحا أن تقاسم وجبة الغداء كان إيذانا بتقاسم «كعكة» السلطة التي كانت فاكهة تلك المأدبة حتى وإن كان ذلك بشكل موارب في البداية.