الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المواجهة احتدمت داخل النهضة بين الموالين للغنوشي وخصومه

هل يسقط «السقف» على «الجماعة»؟


بقلم: مراد علالة

في تطور غير مسبوق داخل واحدة من أهم تنظيمات الإسلام السياسي في تونس وربما في العالم، طفا الى السطح، وبشكل علني وحادّ، الصراع الخفي بين أبرز مؤسسي الجماعة الإسلامية وهو رئيس النهضة الحالي راشد الغنوشي وطيف لا يستهان به من أبناء الحركة الذين ضاقوا ذرعا من «تفرده بالقرار» و«سوء الحوكمة» و«كتم الانفاس» والأخطر من ذلك إعلان النية للترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2024 وهي خطوة «تمثل تتويجا لمرحلة وبداية لأخرى» وصلت فيها النهضة إلى «تردّ مخيف وتدهور غير مسبوق في تاريخها» مثلما جاء في نص الرسالة الثانية لما بات يعرف بمجموعة المائة.

 

وأكد باعثو الرسالة هذه المرة أنّ «الوضع لم يعد يطاق»، بل أخطر من ذلك، « لم يعد لنا ولا للحركة ولا للبلاد متّسع من الصبر أو سعة من غض النظر أو ترك أو تغافل، هذا أمر لا تسامح فيه ولا تنازل عنه ولا مراعاة ولا مجاملة»، ومن هذا المنطلق أساسا يكتسي «ملف النهضة» وما يحصل داخلها أهمية بالغة ومضاعفة ببلادنا.

وكما صار معلوما، فإن الخلاف الذي وقع تطويقه وإخفاؤه وتأجيله وأحيانا أيضا نفيه أو التقليل منه رافق مسيرة التنظيم الإسلامي منذ عقود بيد أن مرحلة «الجهاد» ضد الدولة ثم الجهاد داخلها بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة، ساعد في التورية والتقية وتأجيل الصراع إلى أن طفح الكيل على ما يبدو وبرز الحرص المطلق والجنوح الحاد الشخصيّ لراشد الغنوشي للزعامة المطلقة وهي في تقديرنا وبخلاف ما يروجه خصومه وحتى بعض المتابعين للمشهد السياسي، سمة من سمات الفكر الإخواني الذي حتى وإن تبنى «الشورى» يظل يعطي «للقائد» أو «الزعيم» أو «المرشد» سلطات فرعونية يصعب المس بها لذلك فإن ما يأتيه خصوم «الشيخ» اليوم هـو بمثابة التمرّد والقطع مع عقدة الأب ولا يعني البتة أنهم ديمقراطيون أكثر منه

أو أنهم قطعوا مع الفكر الديني وهجروا المرجعية الإسلامية فرسالتهم الثانية بالخصوص تؤكد على «الوحدة المتينة بين الجماعة الواحدة» وهمهم الوحيد «التداول على المسؤوليات» ومنع «الرئيس» من ولاية ثالثة لا يتجاوز بها الأنظمة الداخلية للحركة فقط وإنما يؤبّد هيمنة «الرئيس» و«المستفيدين» من رئاسته مقابل قطع الطريق على بقية «الاخوة» من «الطاقات والكفاءات العالية التي راكمت مكاسب نوعية» وحان الوقت لتأخذ نصيبها من الغنيمة..

هذا وإن كانت عديد الأسماء ضمن المائة معروفة بتجرؤها على نقاش «الشيخ» وتحدّيه ومنافسته ومعارضته مثل عبد اللطيف المكي أو عبد الحميد الجلاصي اللذين برزا في المؤتمر الأخير العاشر للحركة بكسر «التابوهات» إن جاز القول والصراع علنا مع «الحاكم بأمره» فإن ما يثير الانتباه الآن التحاق أسماء كانت إلى زمن قريب من المحسوبين على راشد الغنوشي إلى صف الغاضبين المنتفضين وأبرزهم عماد الحمامي القيادي والنائب والوزير لأكثر من مرة والذي تحدث بوضوح في إطلالة إعلامية مؤخرا عن علوية القانون الداخلي للحركة وتحديدا الفصل 31 المثير للجدل الذي ينصص على الولايتين ويُفترض دخول هذا الفصل حيز التجريب ثم الحكم له أو عليه فلا يعقل حسب «الموقعين» تنقيح بند لم يُطبق بعد !

إن الصراع بات مفتوحا وعلنيا والثابت أيضا أنه مثلما أصبح المزاج العام داخل البلاد كما تبرزه استطلاعات الرأي على الأقل، وداخل مجلس نواب الشعب فإن المزاج الخاص داخل النهضة ذاتها لم يعد مُجمعا على اسم ودور وسلوك راشد الغنوشي الذي يبدو كذلك أنه ليس مستعدا للتفريط في النهج الذي اختاره خصوصا وهو محاط بمن يزيّن له الأمور ويتولّى الرد باسمه وهو ما حصل في علاقة بالرسالة الاولى. اما في الرسالة الثانية فقد قال «الشيخ» ان «المؤتمر سيد نفسه».

وبطريقة فيها كثير من الاستعلاء تحدّى الغنوشي «أصحاب الرسالة» ونقلت عنه إذاعة موزاييك الخاصة قوله «نحن ملتزمون بالقانون ونحترم النهضة وقياداتها ويبقى المؤتمر سيّد نفسه، وما يحدث من حراك هو مظهر من مظاهر الديمقراطية داخل الحركة وككل مؤتمر قبله تختلف الآراء».

وحول اعتزامه الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، اكتفى بالقول أن الحديث حول هذه النقطة سابق لأوانه مضيفا «نحن بصدد الإعداد للمؤتمر والذي سيحسم في كل القضايا بما في ذلك مسألة الترشح» أي انه قابل للتحدي ومصرّ على المواجهة والاستقواء بالمؤتمر الذي يبدو أنه شرع بعد في ترتيبه على طريقته مع «الموالين» له كما كشفت عن ذلك الرسالة الثانية وتصريحات عدد من الموقعين عليها.

لقد كشفت هذه الرسالة خطوات خطيرة لرئيس الحركة والمحيطين به من ذلك اتهام الموقعين عليها بـ«الانقلابیین» وتشبیههم بـ«العساكر»علاوة على إقصاء أعضاء المكتب التنفیذي الذین أمضوا على الرسالة وتغییبهم عن اجتماعاته ثم العدول عن هذا التصرف والضغط على نواب وقّعوا على الرسالة أيضا وإحراجهم وهرسلة بعض الكتاب العامین ممن وقّعوا على الرسالة وإقالة أحدهم دون وجه حق..

وحسب الموقعين فقد وقع تسريب الرسالة الأولى في حين أنهم كانوا يأملون أن یبقى الحوار داخلیا وهي حسب رأيهم عملیة مقصودة للنیل من مصداقیتهم والتشكیك في التزامهم وولائهم للمشروع وإظهارهم بمظهر المهدّد لوحدة الحركة.

ولعلّ هذا الأمر هو الذي جعل القيادي العائد بقوة إلى الحركة زبيّر الشهودي يتوجه الى ما اسماها «بطانة الغنوشي» بالقول «خافوا ربي في النهضة» كما رفض التعليق على كلام القيادي سيد الفرجاني الذي تحدث عن «هستيريا ما يسمى بالـ100».

ويذهب القيادي محمد بن سالم في نفس الاتجاه ويؤكد أن «مجموعة المائة لن تتنازل عن مطالبها» وهي أساسا رفض تنقيح النظام الأساسي للحركة وتحديدا الفصل 31.

هذا ولئن شدّد بن سالم على أن الرسائل لا تمثل مسارا موازيا أو استباقا لأعمال المؤتمر الحادي عشر فإن أصواتا أخرى بدأت ترتفع وتلوح إلى إمكانية تصدّع الحركة وخروج غاضبين منها نحو مشارب مختلفة.

ووفق التجارب المقارنة فإن الخلافات والصراعات و«التدافع» داخل التنظيمات العقائدية والإسلامية بالخصوص يأخذ أشكالا تراجيدية تتخذ صورا درامية تكون تعبيراتها أحيانا بمسميات «الصقور والحمائم» وأحيانا أخرى أجنحة سلمية تقابلها أجنحة عنيفة وحتى مسلحة ولنا في مسارات الإسلاميين في الجزائر مثلا أو سوريا والعراق والصومال وأفغانستان أدلة مشابهة.

ومن هذا المنطلق أيضا فإن «سقوط السقف على الجماعة» كما قيل في الرسالة الثانية لن تقف ارتداداته على الإسلاميين فحسب وإنما ستصل التداعيات الى عموم العباد والبلاد كما يقال وسيكون الأثر بالغا وبليغا على التجربة الديمقراطية في تونس خصوصا في ظل غياب قوة مدنية قادرة على حفظ التوازن والسلم السياسي والأهلي وملء الفراغ الذي قد يحدثه تشظي حركة النهضة.