الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



من نعرة الجهات الى «انتفاضة» المهن:

«القبلية القطاعية» تهدّد الدولة ..


بقلم: مراد علالة

استبشر البعض خيرا عندما جنحت الحكومة والشباب المعتصم في الكامور إلى التفاوض من اجل النظر في تطبيق الاتفاق المبرم بين الطرفين عام 2017 وخصوصا تفعيل وتنفيذ النقطة المتصلة بتشغيل 1500 مواطن بالمؤسسات البترولية بولاية تطاوين لكن كثيرا من المتابعين تساءلوا عن وجاهة ما حدث فقد تبين من جهة أن الدولة لم تستطع الوفاء بتعهداتها على امتداد ثلاث سنوات ومن جهة ثانية تأكدت قابلية السلطة لـ «الرضوخ» للضغط العالي الذي مارسه المعتصمون من جهة أخرى، الأمر الذي قد يُسجّل في باب السوابق ويفتح الباب أمام شباب آخر وجهات أخرى لـ «تلوذ الى التمرد والعصيان» دفاعا عن «الحقوق» كما جاء في ديباجة الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

 

وقد سجلنا قبل ذلك وحتى بالتزامن مع اعتصام شباب الكامور تململا في جهة الحوض المنجمي مع استمرار المعضلات هناك منذ العام 2008 واحتج المواطنون في اكثر من جهة بسبب ترهل البنية التحتية واهتراء المرفق الصحي والمؤسسات التربوية ووسائل النقل العمومي وغيرها وبلغ الامر ذروته في ولاية المنستير وجهة الساحل قبل ايام عندما وجد الاهالي هناك صعوبات في ايواء مرضاهم في المستشفيات في الوقت الذي كانت فيه الجهة قبلة للتونسيين المصابين بالكورونا وهو أمر وإن كان طبيعيا في الدولة الوطنية العادلة فقد أخذت المسألة منحى سلبيا تم لحسن الحظ تطويقه وتجاوزه.

اليوم تنضاف الى هذا الوضع المرتبك ظاهرة خطيرة يتوجب التوقف عندها بعقل والبحث عن حلول جذرية شاملة لا ترقيعية مؤقتة خصوصا وان بعض تفصيلاتها تواترت وتكررت منذ ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة في ظل عجز المؤسسات والمسؤولين وحتى أهل الحل والعقد في القطاعات المهنية وهياكلها.

اليوم الجمعة 16 أكتوبر، ينتفض المحامون وينفّذون بدعوة من مجلس هيئتهم الوطنية إضرابا وطنيا عاما تحت شعار «لا للضغط على القضاء لا للإفلات من العقاب» على خلفية قضية اعتداء أمنيين على محامية. بدورهم انتفض القضاة وطالبت جمعيتهم الجهات القضائية المختصة بـ «فتح التحقيقات القضائية اللازمة في كافة وقائع الضغط والتجاوزات التي طالت القضاء والقضاة ومتابعتها بالجدية اللازمة والإعلام بمآلاتها» فيما لوّحت رئيسة نقابة القضاة بالإضراب وتقديم استقالة جماعية...

وعلى خلفية ما حدث بسبيطلة تحرك المهندسون مجددا للتحسيس بمشاكل المهنيين في هذا القطاع وصعوبات التشغيل في الوقت الذي تتوفر فيه الفرص في أكثر من موقع بما في ذلك الجماعات المحلية. بدورهم شرع الفلاحون في التحرك تباعا دفاعا عن مهنتهم بمناسبة الموسم الفلاحي الجديد وهم يطرحون بالفعل مشكلات حقيقية وجدية من قبيل غلاء الاسعار ونقص الادوية والاسمدة والبذور وتعثّر مسالك التوزيع وضعف مجابهة الجوائح.

لنسجل من جهة أخرى صعوبات تأمين الدروس في ظل وباء الكورونا في مؤسسات تربوية أقل ما يقال فيها انها غير صالحة وغير جاهزة لضمان وتأمين حياة روادها من الاطفال التلاميذ والاعوان والاداريين والمربين الذي اضطروا بدورهم للاحتجاج وحتى تعليق الدروس عندما ضاقوا ذرعا من عجز الدولة عن تأمين سلامتهم والاصرار في نفس الوقت على استمرار الدروس. وطبيعي في هذا الظرف ان ينفعل ويتفاعل ويحتج العاملون في قطاع الصحة الذين انهكنا آذانهم بالمديح للجيش الابيض في الوقت الذي يدرك فيه القاصي والداني ان مواصلة المرفق الصحي ببلادنا في تقديم الخدمات يعد من المعجزات ولولا إرث وثقافة الدولة الوطنية وصمود جنود هذا القطاع وابداعهم وتضحيتهم لكنا في وضع لا نحسد عليه.

ولحسن الحظ ربما بشرنا الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل قبل يومين غداة لقائه برئيس الحكومة عن قرب حسم وفتح ملف عملة الحضائر نهائيا بعد سلسلة «النضالات» التي خاضوها بما فيها الاعتصام في القصبة. ولم يخرج الاعلاميون بدورهم عن السرب فقد وجدوا انفسهم مكرهين على التحرك من اجل الدفاع عن حريتهم والتصدي لمحاولات إعادة السلطة الرابعة الى بيت الطاعة.

هذا واقع الحال وصورة البلاد اليوم ولا مناص من ضبط النفس ومن توفر ارادة سياسية لدى من يضطلع بأعباء الحكم لمعالجة الازمات المستجدة والمتراكمة وتحمل المسؤولية بكل جرأة وفق رؤية شاملة واضحة للحكم وادارة الشأن العام تحقق المعادلة الايجابية بين حقوق المواطنين وواجباتهم كأفراد وكقطاعات مهنية وحتى كجهات جغرافية يمنحها الدستور حق التمييز الايجابي فالأيادي المرتعشة لا تبني ولا تصون الدولة و«الرخ» في بعض الاحيان أو العجز في احيان أخرى ينهك الدولة ويفقدها المصداقية. أما بخصوص القطاعات المهنية وهياكلها وقادتها فقدر الجميع ان يتعايشوا بالفعل ويتشاركوا ويتوافقوا ويتقاسموا «الغنائم» والتضحيات حتى يعيش الجميع وتعيش تونس.