الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عودة مدرسية في زمن الكورونا

الـــــــمــــغــــــــــــامـــــــرة!...


بقلم: مراد علالة

يتوجه اليوم، نظريا، حوالي مليوني تلميذ الى المدارس والمعاهد المنتشرة في ربوع الوطن في اطار عودة دراسية استثنائية بكل المقاييس حيث نكابد مع المجموعة البشرية وباء الكورونا ونعاني مثل عديد الشعوب من ضيق ذات اليد ومن ضعف البنية التحتية وتفاقم المشاكل المادية وترهل النظام التعليمي علاوة على ما يميز حكامنا الجدد من هواية ونقص تجربة وفقدان بوصلة الاصلاح الجذري لواحد من القطاعات الحيوية والمصيرية في مسار وحياة الدول وخصوصا منها تلك التي تشهد تجارب انتقال ديمقراطي متعثر.

 

اليوم، وبتدبير من وزارة التربية ونقابات التعليم يفترض ان تتم «العودة الى المدرسة» وفق طريقة أو مقاربة استثنائية تتماشى مع الطابع الاستثنائي للظرف الصحي الذي أشرنا اليه زائد ظرف اقتصادي واجتماعي وسياسي وأخلاقي أقل ما يقال فيه انه ليس على ما يرام، لكن المؤسف في تقديرنا أننا مقدمون على مغامرة، أجل مغامرة بكل المعايير ستتحمل مسؤوليتها في المحصّلة الدولة التي استفاقت وزاراتها ونقاباتها فجأة على ضرورة انطلاق السنة الدراسية رسميا في موعدها المعهود وهو 15 سبتمبر من كل عام رغم أنه لا قداسة لأي تاريخ في حياة الشعوب اذا كانت حقوق المواطنين وعلى رأسها الحق في الحياة، مهدّدة ومعرضة للخطر.

لقد شهد شاهد من أهلها وقالت المديرة العامة للمرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة والناطقة باسم وزارة الصحة ان «تونس دخلت مرحلة الانتشار المجتمعي للوباء» واعترفت بان الوضع صعب يتوجب التأهب والاستعداد فأين نحن من الأهبة والاستعداد؟

لقد كشفت جامعة الصحة اصابة 287 مهنيا بين أطباء وممرضين وأعوان الى غاية 12 سبتمبر الجاري وأصبح معدل الوفيات يوميا بين 3 و4 حالات في ولايات مختلفة شمالا وجنوبا.

ليس ذلك فحسب، أغلقت بعض المؤسسات التربوية العمومية والخاصة قبل ان تفتح أبوابها ان جاز القول بعد اكتشاف إصابات فيها واتخاذ قرارات بشأن تعقيمها وإعادة تأهيلها!

في غضون ذلك، جادت وزارة التربية بما لديها، 160 ألف كمامة ذات استعمال واحد و85 ألف كمامة متعددة الاستعمال و3300 لتر من السائل المعقم و4 آلاف جهاز قيس للحرارة ستوزع على 2000215 تلميذ و153400 مدرس وآلاف الاعوان والعملة في 6315 مؤسسة!

ومشكورة جادت وزارة الفلاحة بدورها بها لديها، بعض صهاريج الماء لمئات المدارس التي لا يوجد فيها ماء في بلادنا، أجل في تونس وليس في مكان آخر من العالم!

ولم تشذ وزارة النقل عن بقية الوزارات وجادت بما لديها من أساطيل الحافلات والقطارات والمترو الخفيف بما في ذلك مترو صفاقس الشهير!.

وزارة التجارة بدورها لم تقصّر وبما أنها لم تضمن وجود الكراس المدعم مثلا ولم تحم قطاع بيع الأدوات المدرسية المنظم نشطت كالعادة الأسواق الموازية ورمينا بالكرة في ملعب الوعي المواطني وحاولنا عبثا إقناع المستهلك بمضار سلع هذه الأسواق في مناخ غير مسبوق من تدهور القدرة الشرائية وغلاء الأسعار.

رغم كل هذا تلحّ وزارة التربية ونقابات القطاع على العودة بداية من اليوم باعتماد «تكتيك» التدرج والتناوب ونظام الأفواج بما أننا في حالة حرب على الكورونا والطريف كما دوّن كثير من التونسيين أن الكورونا قد تجد نفسها في حيرة من أمرها أمام هذا التكتيك فلا تهاجم تلاميذ الفصل الواحد مجتمعين اليوم وستنتظر تقسيمهم الى فريقين الأسبوع القادم...!

أما عن الجوانب العلمية والبيداغوجية ومضامين الدروس مع هذا «التكتيك» وإشكالية الثلاثي الثالث الذي لم يدرّس العام الماضي فما تزال الأمور غامضة ويؤكد أكثر من مدير مدرسة ابتدائية وإعدادية ومعهد ثانوي أنهم بدؤوا في تلقي المذكرات والمناشير في الساعات الماضية في انتظار وضوح الرؤية لدى المدرسين أنفسهم معلمين وأساتذة بالتنسيق مع جهاز تفقد بيداغوجي فقد الكثير من بريقه في السنوات الماضية.

وإذا أضفنا الى كل ما تقدم محيط المؤسسة التربوية ونعني بذلك المبيتات والمطاعم والمحاضن وغيرها يحق لنا أن نتساءل عن جاهزية الدولة لانطلاق السنة الدراسية.

لقد أضاعت وزارة التربية والحكومة من ورائها وكذلك نقابات القطاع كثيرا من الوقت ولم تعدّ العدّة لتكون العودة في ظروف أفضل وجعلتنا نتحدث اليوم عن مغامرة نمنّي النفس بأن يكون الانتصار فيها لناشئتنا ولمؤسستنا التربوية ولمجتمعنا ولدولتنا وهذا يقتضي الاجابة الفورية والعملية عن أسئلة حارقة حول هذا البطء وهذا النقص الفادح في كل شيء تقريبا والحال أننا نعيش منذ مطلع العام في خضم الحرب على الكورونا وأتيحت لنا استراحة المحارب لكننا قصّرنا في استثمارها.

غريب أن يتفاجأ رئيس الحكومة وهو ابن الإدارة والدولة الوطنية من حال المؤسسات التربوية وغريب أن تعجز وزارة الصحة عن تجهيز نفسها وتعجز وزارة التربية وحتى التعليم العالي عن الاستعداد لهذا الموعد السنوي القار وغريب أن يتأخر اعلامنا في التوعية والتحسيس والتعبئة لحرب ضروس تمنع فيها الهزيمة ويفترض فيها الانتصار حتى وان كانت المغامرة أكبر مما يتصورون.

حفظ الله تونس وناشئتها وشعبها.