الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



النهضة تزداد ارتهانا حماية لشيخها:

قلب تونس لن يرضى بالقليل بعد إنقاذه للغنوشي مرتين


بقلم:محمد بوعود

لن تستطيع النهضة أن تفلت من عقال قلب تونس بعد الان، هكذا علق بعض المتابعين لما يجري في البرلمان خصوصا وفي الساحة السياسية عموما، وفسّر ذلك بان نبيل القروي قد تسامى نوعا ما عن جراحاته التي خلفتها اشهر السجن التي قضاها وراء القضبان حين كان منافسه يخوض حملة انتخابية في طريق مفتوح، تقف وراءه النهضة بكل طاقتها ومواردها وترفع شعار لا لحزب الفاسدين لا لحزب المشبوهين «لا لحزب المقرونة»، وكان ساعتها يقول لكل من زاره هناك ان النهضة هي التي سجنته، وهي الوحيدة القادرة على اخراجه، وتم له ذلك، وحين خرج لم يخف أنه عدوها وانها هي من أوقعت به، وأنه لن ينسى ذلك.

 

لكن حسابات السياسة حين تحكمها المصالح لا تلائم حسابات الشعارات والوعود الانتخابية، أصبحت للقروي كتلة برلمانية كبيرة، وأصبح رقما في المشهد السياسي وكان عليه ان يراجع حساباته، فاختار ان يقف الى جانب الطرف القوي حتى لو كان خصمه، اختار أن يصطف مع الغنوشي في دور أول حين دعمه لترؤس البرلمان، ولولا أصواته لكان الغنوشي الان يجلس في احد مقاعد قاعة الجلسات وليس على المنصّة كما هو الان.

وفي المقابل بدأت النهضة ترى فيه حليفا موثوقا ربما أكثر من غيره، بل وبدأت تميل الى التنسيق معه في كل مشاريع القوانين والقرارات وفي الخيارات الهامة، حتى اصبح تقريبا في ترويكا حاكمة معها هي وائتلاف الكرامة، وتراجعت حتى اختفت تقريبا لغة الفساد ومصطلحات «المقرونة» والازلام والنظام السابق، ووجد حتى من روج أنه حليف النهضة منذ البداية لكنها كانت تخفي ذلك انتظارا للحظة المناسبة.

القروي من ناحيته لم يبق في حدود مساندة الشيخ في المطلق ولأجل حماية نفسه من السجن فقط، بل تجاوز الى لعب "أطراح سياسية" حقيقية، وضع الشيخ أمام أمر واقع جديد وفّرته السيدة عبير موسي على طبق من ذهب حين قدمت لائحة مسائلة للغنوشي عن مكالمته للسراج، وهي المسائلة التي وقف فيها قلب تونس بكل ثقله مع النهضة ومنع الشيخ من احراج الادانة، وأهداه انتصارا أول على خصمه اللدود عبير موسي، لكن بمقابل.

القروي طرح مباشرة وقبل التصويت ضد لائحة المساءلة الدخول الى الحكومة، والشيخ جسّ النبض فوجد ان المسألة صعب تسويقها هكذا بدون موجب، فطرح مسألة توسيع الحكومة، طالبا ابعاد حركة الشعب وحزب الشاهد من الائتلاف، وادخال قلب تونس بوزارتين او أكثر، لكن مرة أخرى يصطدم برئيس الجمهورية الذي يرفض رفضا قاطعا هذا التوسيع الذي رأى فيه تتويجا لصفقة تمت في البرلمان لحماية الشيخ هناك وتوسيع سلطته على الحكومة هنا، فكان الذي حدث وتفجّرت فضيحة شركات الفخفاخ وما تلاها وما نجم عنها من وضع حالي عدنا فيه الى نقطة الصفر.

وخلال هذه العودة لخلط الاوراق من جديد تمكن قلب تونس من تسجيل هدف ثان في شباك النهضة، صحيح انه قد خذل التيار والشعب والشاهد وعبير، لكنه لم يناصر النهضة، بل أمسك عليها ورقة ضغط جديدة، منّة جديدة وفضلا لا يمكن ان تنساه، وهو الذي أنقذ شيخها من سقطة مدوية كان قاب قوسين او ادنى من الوقوع فيها وكانت ستكون نهايته السياسية ونهاية حزبه من تصدّر المشهد على الاقل، وكانت ستكون انتكاسة للاسلام السياسي في تونس وفي شمال افريقيا، لولا ان القروي مدّ له يد النجدة مرة أخرى، وأنقذه.

الان لن يكون القروي من يلهث وراء مقعد او مقعدين، سيفاوض على أساس صاحب حق في النصف ان لزم الامر، وسيفرض على النهضة ان تفاوض باسمه بل ان تشترط عند قبولها بالحكومة ان يكون فيها قلب تونس ممثلا كأحسن ما يكون، وقد ترهن ايضا التصويت عليها بوجود قلب تونس في قلبها.

فالنهضة صحيح قد دافعت عن شيخها، وضحت بالكثير من أجل ابقائه على الكرسي، لكنها بالمقابل فتحت الباب على مصراعيه لتمكّن القروي من رقبتها، ولترهن مصيرها القادم بالنسبة للحكومة في يده، ولتجعل منه شريكا كامل الحقوق عليها، بعد ان كان قبل اشهر يركض ليلا نهارا كي ترضى عنه وتقبل حتى مجرد ان يصوت معها او يجلس بجانب ممثليها في لجنة من اللجان، وتلك هي ضريبة الاخطاء المتتابعة التي دفعت بالشيخ للترشح ثم للرئاسة ثم للممارسات التي لا تتماشى مع وضعه كرئيس للمجلس، وهي تدفع اليوم كل التنازلات ومازالت مستعدة للتضحية بكل شيء على ما يبدو لحماية شيخها.