الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عطش وحرائق وقطع طرقات :

مآسي الشمال الغربي التي لا يكترث بها أحد...


بقلم : منيرة رزقي

مآسي الشمال الغربي لا تنتهي على امتداد السنة ولكل فصل مأساة تشبهه وتتسق مع مميزاته وآخرها ما حدث في فترة العيد جراء انقطاع المياه في عديد المناطق من ولايات الشمال الغربي وتزامن ذلك مع حرائق كثيرة في هذه المنطقة .

يحدث هذا في منطقة من أغنى المناطق التونسية من حيث احتياطي المياه الذي تزود به باقي الجهات التونسية الأقل حظا في منسوب المياه كما تتوفر هذه المنطقة على أكبر السدود والبحيرات الجبلية تماما كما تتلقى أكبر كميات من الأمطار الموسمية.

 

و بها أكبر الوديان التونسية (مجردة و ملاق و تاسة). وتطل ولايتان من ولايات الشمال الأربعة على البحر (باجة وجندوبة) ومع ذلك تعاني هذه المناطق من محدودية مياه الشرب ويعاني أهلها من العطش وتضطر نسبة كبيرة من سكانها إلى شرب مياه ملوثة.

وهذه المعضلة يعيشها سكان الشمال الغربي منذ سنوات إن لم نقل منذ عقود دون أن يكترث بهم احد ودون أن يلتفت أحد إلى مآسيهم ومكابدتهم التي لا تنتهي.

ويتزامن انقطاع المياه هذه السنة مع حرائق جدت في بعض المناطق الغابية بالشمال على غرار جبل كشريدة والمناطق المحاذية له بالكاف وبعض المرتفعات الغابية في باجة من بينها عمدون حيث كانت الخسائر كبيرة ووجد الأهالي أنفسهم متروكين لمصيرهم يجابهون ألسنة اللهب في هذا الصيف القائظ بما تيسر لهم من أدوات بدائية. وسواء جدت هذه الحرائق بفعل فاعل أو نتيجة إهمال أو تقصير بشري فإن هذا لا يعفي الدولة من تحمل مسؤولياتها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وهي التي لم تتكفل حتى بإرسال طائرات إطفاء لإخماد الحرائق المشتعلة في الغابات ووأد المرارة التي تلتهم أفئدة الأهالي.

لم يصغ أحد من المسؤولين لصرخات النساء ونحيب الأطفال ولم يكترث أحد بدموع الشيوخ وهم يرون متاعهم القليل تلتهمه النار . وحتى وسائل الإعلام بدت منشغلة بمتفرقات احتفالية العيد وبمتابعة شؤون أخرى وكأن هذه المنطقة المنسية تقع خارج حدود البلاد التونسية.

والحقيقة أن أهل الحل والعقد منشغلون بما هو أهم ولا وقت لديهم للالتفات لهذه المناطق المنكوبة التي همشتها سياسات الحيف والظلم والتمييز الجهوي والتي تنزف رغم ثرواتها ورغم ثراء طبيعتها وسحرها.

إذن كان الفاعلون السياسيون مهتمون بشؤون أخرى فالبرلمان المنقسم على نفسه كان قد أتم للتو معركته المصيرية بين من يريد سحب الثقة ومن يريد تعزيزها وبعد اطمئنان الشق الثاني لانتصاره ركن أصحاب السيادة إلى الراحة في عطلة سنوية لمدة شهرين خالصة الأجر من أموالنا نحن دافعي الضرائب، أما حكومة تصريف الأعمال فهي منهمكة في جمع حقائبها والاستعداد للمغادرة ولم يعد بعض أعضائها معنيون سوى بتأمين مقعد في الحكومة المقبلة أو في منصب آخر.

في الأثناء يبدو رئيس الجمهورية منشغلا بمسائل أخرى أهمها المعارك الدستورية التي يخوضها هذه الأيام وقطعا لا أحد من الفاعلين السياسيين يمكن أن يقدم تعليمات لطائرات الإطفاء لإخماد الحرائق هكذا بمنتهى البساطة يترك عشرات الآلاف من البشر يواجهون العطش وقيظ الصيف والحرائق المشتعلة بمفردهم.

ولا أحد يتحدث اليوم عن استمرارية الدولة التي يفترض أن توفر المرافق الضرورية للناس وأن تستجيب لحاجياتها.

هي تونس الأخرى التي لا يكترث لأناتها أحد فعلى امتداد ثلاثة أيام والنيران تلتهم الأخضر واليابس وتأتي على البيوت وأثاثها المتواضع وتقتل الحيوانات وتلتهم الأشجار المثمرة على غرار الزيتون وتأتي على بيوت النحل والناس محاصرون بالسنة اللهب التي تأتي على كل شيء ويختنقون بالدخان.والحصيلة مساحات غابية شاسعة وحقول أتلفت تماما.

فأي دولة هذه التي تعجز عن توفير الماء الصالح للشراب أو إخماد حريق...؟؟؟

وكانت ثالثة الأثافي في مأساة أهل الشمال الغربي هذا العيد قطع الطرقات في اتجاه العاصمة ليجد العائدون من عطلة العيد أنفسهم مساء الأحد منقطعين عن العالم في مواجهة مصير غامض وهم عالقون في وسائل النقل في درجة حرارة تجاوزت الأربعين وكانت المعاناة اكبر في صفوف المرضى وكبار السن والأطفال وذلك على امتداد ساعات وانقطع التواصل مع العديد منهم جراء نفاد شحن بطاريات الهواتف كل ذلك حدث في غفلة من الدولة مرة أخرى وفي غياب تام لأي تدخل يشعر الناس بأن هناك قانونا يحميهم ممن يقطع الطريق وان هناك دولة تفرض هيبتها وسلطتها وتحمي مواطنيها.

ورغم أن مبررات قطع الطريق كانت الاحتجاج على النوعية المتردية لمياه الشرب في بعض المناطق التابعة لولاية منوبة وبالتحديد مدينة المرناقية والتي كانت تجلب من سد بني مطير لكن نوعيتها تغيرت عندما جلبت من غدير القلة وهي مبررات إنسانية ومشروعة ولكن طريقة الاحتجاج مرفوضة وعلى الدولة في هذه الحالة أن توفر لهم حاجياتهم من الماء الصالح للشرب بالسرعة القصوى تماما كما ترغمهم على إخلاء الطريق.

ومرة أخرى نتساءل أي دولة هذه التي تقف مكتوفة الأيدي عاجزة عن فرض سلطة القانون من ناحية وتأمين أبسط الحاجيات الضرورية لمواطنيها؟؟؟

حقا ما أبشع هذا السقوط المدوي الذي نعيشه على جميع المستويات ....