الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



اليوم جلسة سحب الثقة من رئيس البرلمان

سقوط «الزعيم» ثابت.. بقاء «راشد الغنوشي» وارد وغير وارد !


بقلم: مراد علالة

تتجه الأنظار اليوم الخميس 30 جويلية 2020 إلى قصر باردو لمتابعة تفاصيل ومخرجات جلسة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي. وسيُجرى التصويت وفق قرار لمكتب المجلس الذي يرأسه الغنوشي نفسه، دون نقاش وبصفة سرية بخلاف ما أراد أصحاب عريضة سحب الثقة التي حملت 73 توقيعا من كتل مختلفة كما ينصّ على ذلك النظام الداخلي إضافة الى قائمة تكميلية بـ 16 توقيعا لنواب الدستوري الحر.

 

وحسب هواة الرصد والمولعين بالتجارب المقارنة وتبرير كل شيء بمطبّات وإكراهات الانتقال الديمقراطي، سيسجّل التاريخ بالفعل أنها المرة الأولى في تونس وفي العالم الثالث تقريبا تُطرح مسألة سحب الثقة من رئيس برلمان مباشر لمهامه قبل اجتياز السنة الأولى والدورة النيابية الأولى على رأس المؤسسة التشريعية ورغم كون المعني يقف على رأس الحزب الأول وله أغلبية مريحة رفعته الى سدة الرئاسة ذات يوم من أيام نوفمير 2019 بـ 123 صوتا.

وبقطع النظر عن النتيجة النهائية «الكمّية» للتصويت وربما التئام الجلسة في حد ذاتها من عدمه وسيرها العادي، ونجاة الجالس على كرسي الرئاسة من عدمه أيضا من السقوط المدوي منه، فإن الثابت في تقديرنا هو أن سقوط راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة في تونس وأحد ابرز زعماء جماعات الإسلام السياسي في العالم أصبح من تحصيل الحاصل سياسيا وأخلاقيا بقطع النظر عن الأرقام التي لا يهم إن كانت ستبلغ الحد المطلوب وهو 109 أم لا، أي بقاء الرجل في المكان أو تغييره لفائدة الغير حتى وإن كان هذا الغير من الإخوة في التنظيم.

لقد اختزل راشد الغنوشي الرئيس الحالي للبرلمان ورئيس حركة النهضة والمقربون المخلصون له من النهضويين الموضوع برمته في عملية تقنية للأسف وأصرّوا على الهروب إلى الأمام دون قراءة تداعيات ذلك على «الشيخ» وعلى الحركة وعلى بقية أبنائها وقادتها بالخصوص وعلى المؤسسة النيابية أيضا وعلى التجربة التونسية بشكل عام فراهنوا في البداية على تعطيل لائحة سحب الثقة بترحيلها من جدول أعمال مكتب المجلس ثم الاتكال على الشكليات والاجتهاد في إسقاط اللائحة بالتشكيك في التوقيعات مثلا والتحفظ على الصيغة التي وردت فيها الجهة الموجّهة لها هذه اللائحة قبل تغيير التكتيك والتسليم بضرورة المرور الى الجلسة العامة وتحويلها الى محطة لتجديد الثقة. !

وقد تواترت خلال الأيام القليلة الماضية وفي الوقت الذي يردد فيه النهضويون أن الغنوشي سيبقى في مكانه يرجح خصومه توفر الـ 109 أصوات الضرورية لإزاحته وهو أمر وارد أيضا لم يستبعده الناطق الرسمي باسم الحركة عماد الخميري الذي اعتبر أن جلسة اليوم الخميس ستكون «تعزيزا لفكرة الديمقراطية، سواء سحبت الثقة من الغنوشي أو لم تسحب»، والتذكير بالفرضيتين في حد ذاته إقرار بصعوبة الرهان وهو ما جعل رئيس الكتلة نور الدين البحيري يذهب الى حدود التجريح في زملائه النواب والحديث عن «أموال إماراتية» تُوزّع على النواب قصد سحب الثقة من الغنوشي وهذا في حد ذاته أمر يستوجب علاوة على الاستهجان تحرك القضاء حتى وان قلّلت وجوه نهضوية من حدة الاتهام ونزّهت النواب مثلما فعل سمير ديلو!.

كل شيء وارد إذن خصوصا بالرجوع الى التركيبة الجديدة للكتل وهي كالتالي: كتلة حركة النهضة: 54 نائبا، الكتلة الديمقراطية: 38 نائبا، كتلة قلب تونس: 27 نائبا، كتلة ائتلاف الكرامة: 19 نائبا، كتلة الحزب الدستوري الحر: 16 نائبا، كتلة الاصلاح: 16 نائبا، الكتلة الوطنية: 11 نائبا، تحيا تونس: 10 نواب، المستقبل: 9 نواب، غير المنتمين: 17 نائبا.

والأهم في تقديرنا دائما هو ما يسمى بتداخل المسارات أي المسار البرلماني والمسار الحكومي، فرئيس الحكومة المكلف شرع في مشاوراته لاختيار فريقه الحكومي بالتزامن مع جلسة سحب الثقة من راشد الغنوشي، رئيس البرلمان ورئيس النهضة وهي الكيان السياسي الذي يمثل أهم عقبة أو معضلة أو تحد أمام الرجل في العملية السياسية ومعادلة تكوين حكومة بالحركة أو بدونها مثلما يرغب في ذلك طيف واسع من المكونات السياسية التي تقف وراء لائحة سحب الثقة.

ومهم أيضا الإشارة الى أن البعض يفصل بين إزاحة راشد الغنوشي / الشخص وإزاحة النهضة / الحركة من رئاسة البرلمان وحتى الحكومة، ويبرر كثيرون موقفهم بأن من كان يُفترض أن يكون ويظل «زعيما» ينأى بنفسه عن «الصغائر» والمعارك الجانبية التسييرية للبرلمان سقط في امتحان الرئاسة وانحرف بدور المؤسسة التشريعية ومارس الدبلوماسية الموازية وعجز في تقليص منسوب العنف و«التدافع» السياسي وارتكب عديد الأخطاء منها تكوين رئاسة مجلس نواب وتعيين عدد من المقرّبين إليه ورسخ بذلك منطق الغنيمة.

في المحصلة، ستلتئم الجلسة وسيصوّت من حضر في «يوم عرفة» وسيكون العيد بعد ذلك كما قال أحدهم عيدين لهذا الطرف أو ذاك، وتطورا مفتوحا على جميع الاحتمالات بالنسبة الى المنظومة المنبثقة عن انتخابات 2019 وبالنسبة الى بلادنا، على أن الثابت الوحيد هو أن ما بعد 30 جويلية 2020 لن يكون بكل المقاييس كما قبله بالنسبة الى راشد الغنوشي الذي كان الى حدود هذا التاريخ «زعيما» ومرشدا لأتباعه في الداخل والخارج ومحصّنا ضد أي مسّ بمسيرته ومركزه بما في ذلك داخل تنظيمه رغم كثرة منافسيه على رئاسته، وهاهو يضع اسمه وتاريخة في المزاد بحجة البرهنة على الشرعية والحال أن الشرعية لا تكون فقط على الورق وفي الصناديق المغلقة.