الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعد اختياره هشام المشيشي لتشكيل الحكومة:

«قراءة الرئيس» للدستور تسيطر على المشهد السياسي..!


بقلم: لطفي العربي السنوسي

في كلمة التكليف لرئيس الحكومة السيد هشام المشيشي وردت جملة لم ننتبه اليها في حينها ولم يتوقف عندها الملاحظون حيث رمى رئيس الجمهورية قيس سعيد بالرمية تلك : «نحترم الشرعية لكن آن الأوان لمراجعتها حتى تكون بدورها تعبيرا صادقا وكاملا عن ارادة الأغلبية..» وهنا اشارة بليغة تفتح طريق المرور امام رئيس الحكومة المكلف بل هي تمنحه ضمانة حصوله على الثقة البرلمانية بأغلبية مريحة يدرك الرئيس أنها لن تكون صعبة المنال في برلمان مكتظ بالانتهازيات التي تخشى على مواقعها في حال لم تحصل حكومة المشيشي على الثقة لذلك قال الرئيس نحن نحترم الشرعية لكن ان الأوان لمراجعتها وهو ـ هنا ـ يتحدث عن الشرعية البرلمانية ويمكن مراجعتها في حال واحدة وذلك بتشغيل الفقرة الخامسة من الفصل 89 من الدستور وتقر بما يلي: «اذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول ولم يمنح اعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة الى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما..».

 

وبالتالي فان مجلس نواب الشعب أمام خيارين اثنين: إما منح الثقة للحكومة وبأغلبية الـ109 وإما فسح المجال لرئيس الجمهورية بان يستعمل حقه في حلّ البرلمان وما يستتبع ذلك من انتخابات تشريعية مبكرة لن تكون ـ مطلقا ـ لصالح الأغلبية الحالية في البرلمان وبأكثر وضوح فان حل البرلمان سيكون كارثيا على حركة النهضة التي يصعب ان تضمن عودتها الى المجلس النيابي بذات الأغلبية وكذلك «قلب تونس» فان خساراته ستكون كبرى في حال انتخابات تشريعية مبكرة وقد نجد حزب الدستوري الحر في المواقع المتقدمة ما يؤهله لالتقاط الحكم في القصبة وهذا ما تؤكده كل استطلاعات الرأي... وعليه فان حكومة السيد هشام المشيشي ومهما كانت طبيعتها.. حكومة تكنوقراط خالية من الاحزاب السياسية أو حكومة كفاءات مستقلة بلا «نهضة» وبلا «قلب» فانها ستمر في كل الاحوال مطمئنة وبأغلبية الـ109... فقد ضيّق الرئيس قيس سعيد مساحات المناورة أمام مجلس النواب ووضع كل الكتل النيابية وأحزابها أمام خيارين لا مهرب منهما (منح الثقة للحكومة أو حل البرلمان) وبالتالي فانه لا أحد سيجرؤ على المقايضة وعلى المناورة ما عدا الاحزاب التي يمكن ان تستفيد من حل البرلمان وهي تدفع الى ذلك وخاصة الدستوري الحرّ...

في تكليفه للسيد هشام المشيشي لم يخرق الرئيس قيس سعيد الدستور ولا هو استولى على صلاحيات غيره وانما هو ذهب الى الفقرة الثالثة من الفصل 89 حيث جاء في موقع منها «يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر».

والدستور لا يلزم الرئيس بتعيين من تم اقتراحهم من طرف الاحزاب بما أنّه استعاد المبادرة بعد استقالة الفخفاخ وبالتالي فإنّ الدستور يمنحه حقّ تكليف الشخصية الأقدر دون الرجوع الى مقترحات الاحزاب وهوما فعله قيس سعيد الذي ترك مقترحات الأحزاب وأتلفها واختار الشخصية التي يريد وبذلك يكون الرئيس «وفيّا» لمواقف سابقة كان أعلنها فهو لا يؤمن بالأحزاب ولا بالعمل الحزبي ويعتبر أن زمن الأحزاب قد انتهى اضافة الى موقفه من المشهد البرلماني ومن رئيسه الذي سعى لمنازعته سلطاته وخاب... فخطاب رئيس الجمهورية هو خطاب ترذيل للأحزاب وللبرلمان وقد التقط التوقيت المناسب «وفعل ما يريد» دون أن يتجاوز الدستور وإنّما هو قرأه وأوّله وطوّعه بما جعل المشهد السياسي اليوم خاضعا أو هو تحت سيطرة «قراءة الرئيس» للدستور الذي بدأ في تنفيذ نظريته التي ترى بأنّه لم يعد للأحزاب دور كبير في الحياة السياسية.

لقد حسم الرئيس أمره باختياره السيد هشام المشيشي ضرب في أكثر من مضرب وبعث رسائل الى عناوين مختلفة... الأولى للبرلمان حيث لا خيار غير منح الثقة لرئيس حكومته أو الذهاب الى الخيار الأسوإ والثانية الى الأحزاب السياسية التي همّش أو هو استصغر وجودها وأدوارها ببيان عدم جدواها.

يدخل السيد هشام المشيشي المعترك السياسي من أبوابه المفتوحة وباسناد قويّ من الرئيس قيس سعيد الذي مهّد له كل أسباب المرور المريح داخل البرلمان وقد سارعت الأحزاب الكبرى في مهادنته عبر خطاب قبول لتكليفه من ذلك ترحيب قيادات في حركة النهضة بهذا التكليف وكذلك قيادات من «قلب تونس» و«تحيا تونس» اضافة الى الأحزاب القريبة من الرئيس على غرار التيار وحركة الشعب...

يقف رئيس الحكومة المكلّف على أرض رخوة ومتحركة قد «تبتلعه» وقد يشيّد عليها مجده السياسي الشخصي إن هو عرف من أين تؤكل الكتف... فلا سيرة سياسية للرجل وهو قادم من «سرّة» الإدارة التونسية وامتدادها العميق ليخوض معتركا صعبا وأمامه ملفات بحجم الجبال وثقلها اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وسياسيا...