الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



«الوثبة الخلاّقـة» شعار مؤتمر حركة النهضة القادم:

«كالذّئب إذا طُلِب هرب، وإن تمكّن وثب »..!


بقلم: الأستاذ عمران بكاري

«الوثبة الخلاّقة» سيكون شعار مؤتمر حركة النهضة القادم هو الترجمة الحرفية لمّا يعرف بـ2.0« The creative Disruption» في المنظومة الليبرالية الجديدة.

فما هو المقصود بهذه العبارة؟

 

هي ظاهرة تسريع مسارات التجديد بما هي قائمة على التثوير السريع والمباغت للبنى والهياكل الاقتصادية القديمة والتي عادة تكون مرتبطة بالدولة وتُعتبر عقيمة ومعيقة ومهترئة وسبباً في الركود والفشل. ومن أهم «ميكانيسمات» اشتغال «الوثبة الخلاّقة» الدفع الى الاقصى بالقدرات الذاتية لأي انسان مهما كانت خبرته وشهائده وعلمه ومعارفه وقيمه وبالمبادرات الخارجة عن الإنساق الموجودة. وفي التعريفات الواردة بالمعجم العربي جزيل الإفادة في هذا المضمار، بما يفيده من مباغتة ومغالبة واستقرار على المغنم او الهدف والانقضاض عليه وما فيها من عنف وخبث وذئبوية. وكما ترى فوراء «الخلاّق» إشارة صريحة الى المكانة التي بوّأتها ما بعد الحداثة للانسان الذي حلّ محل الربّ، وهذا لا تتنبّه له حركة النهضة فهي تستهلك المعاني على ما آلت اليه في استعمالاتها بما يوافق تطلّعاتها فيما وراء الأصول والتدقيقات وتاريخ المسارات التي أتت بها. تلك مهمّة عسيرة على النهضويين، وعلى كلّ حال تولاّها أبناء مدرسة فرانكفورت في الاربعينات [Dialektik der Aufklärung ]وتعهدّها برنارد ستيڤلير منذ خمس سنوات خلت في مؤلّف استثنائي[Dans la Disruption ] بالنقد والتمحيص.

ليس لهذه المبادرات من منوال مرجعي خارج عنها، فهي مرجع ذاتها؛ فـ « الوثبة الخلاّقة » هي حركة قصدية هدفها تكسير الموجود القانوني المؤسساتي المعتبر سببًا في الركود قصد الاندراج في الفعل دون سابق تنظير او بناءٍ ما قبلي او جمعي. وهكذا يكون ورود القانون لتأطيرها لاحقاً لها، لاهثاً وراءها، فهي سابقة ومنفلتة من أي إطار او منوال باسم النجاعة والتجديد وتحرير المبادرة الفردية. وما على المشرّع، بالتالي الاّ ان يتابع الوثبات الخلاّقة المسترسلة بترسانة القوانين. ولكن ما أن يُسنّ القانون حتّى تنشأ وثبة جديدة فيصبح ذلك القانون متخلّفا عما بلغه التقدّم المتجدّد بما هو مسار توثّب لا يتوقّف.

هذا المفهوم او قُلْ بالأحرى هذه النظرية نشأت منذ ربع قرن، أواسط التسعينات مع ظهور آبل وڤوڤل وآمازون وسائر شركات السيليكون فاليه بأمريكا. وهو بالتحديد من إنتاج شركات تسويق Marketing TBWA عالمية متعدّد الجنسيات.

أنْ « تـختار» حـركة النـهـضة الاسلامـية هـذا الشعـار لمؤتمرها، هو ليس بالطبع من منتجاتها الفكرية إِذْ هي لم تصل الى مستوى إنتاج فكرٍ سياسي اقتصادي داخل نظام مفاهيمي متناسق يمكن الرجوع اليه ولكنّه اختيار طبيعي بالنظر الى نزوعها الليبرالي الفجّ( دون قيم وأدبيات الليبرالية المعروفة). كلّ ما في الأمر أنّ حركة النهضة لجأت- كعادتها- الى شركة مختصّة في التسويق، دفعت لها، فباعت لها هذا الشعار على أساس أنّه سيحقّق لها ما تصبو اليه من نجاح فيما تصبو اليه.

ما الذي تصبو اليه حركة النهضة من وراء هذا الشعار ؟

الجواب واقع في المضامين التي يروّج لها أصحاب « الوثبة الخلاّقة »من التخلّص من كلّ البنى والضوابط والهياكل الموجودة في اتّجاه كسرها عبر تحرير الإرادات الذاتية وتشجيعها لإثبات ذاتها عبر التدافع في كلّ المجالات دون ضوابط تعتبرها مسبقاً معيقة: ضوابط المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والسّياسيّة والثقافية.

وطبعا هكذا مسار توثّبي يستدرج النّاس بطُعم التحرّر والخلق والإبداع ليزجّ بهم في حلبة التدافع الذي لن تكسبه الأفكار الرائدة والتقدّمية بل الأفكار الشعوبية المحافظة ولن تكسبه الفئات المفقّرة بل الفئات المتنفّذة.

في «الوثبة الخلاّقة» لا يُعتمد التفكير المؤسِّس لقيم جديدة تحكمها العقلانية الانسانية والعناية The Care بل الفعل التنافسي المنتصر بالنتائج والربح . وبالنتيجة لا يمكن الحديث عن إقدار المواطنين في منظومة «الوثبة الخلاّقة»، بل البقاء فيها للأقوى في حلبةٍ تكون فيها مؤسسات المجتمع والدولة والثقافة محلّ تطاحن في حضور ضئيل للدولة والتشاركية والتضامن القائمة على الفكر الفلسفي النقدي والقيم العليا وتمكين الانسان من وسائل الاضطلاع بإنسانيته .

« الوثبة الخلاّقة» هي النقيض المباشر والوقح للتشارك والتضامن والعناية. وهي من نفس المستنقع الذي أعطى «إدارة التوحُش » و«الفوضى الخلاّقة».