الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



موجة ثانية من الانتخابات البلدية الجزئية

الحكم المحلي بين الضرورة الانتخابية والرهان المواطني


«الصحافة اليوم»: المنصف عويساوي

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات منذ فترة فتح باب الترشحات للانتخابات البلدية الجزئية وأعلنت عن الرزنامة في اغلب البلديات المعنية في مختلف جهات البلاد على اثر تعدد وتتالي الاستقالات صلب المجالس البلدية في عدد هام من المناطق مما تسبب في حالة من الشلل التام في أغلب هذه البلديات التي شملتها ظاهرة الاستقالات والتنصّل من المسؤولية بسبب خلافات حزبية وصراعات أيديولوجية ليتحمل من جديد المواطن كلفة هذه الصراعات الحزبية ويفقد حقه في مختلف الخدمات التي من المفروض أن توفّرها المجالس البلدية وفق مجلة الجماعات المحلية في اطار حكم تشاركي بناء يخدم مصلحة المواطن.

 

فبعد اصدار الهيئة العليا للانتخابات مؤخرا ثلاثة قرارات بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ( عدد 7) تتعلق برزنامة الانتخابات البلدية الجزئية بكل من بلدية جبنيانة من ولاية صفاقس وبلدية الفوار من ولاية قبلي وبلدية حاسي الفريد من ولاية القصرين ووفق هذه القرارات التي تضمنت رزنامة موحدة للانتخابات في البلديات الثلاث شهدت عملية قبول الترشحات في أول يوم لها للانتخابات البلدية الجزئية ببلدية الشبيكة من ولاية القيروان غياب الترشحات وعزوفا أمام تحمل مسؤوليات على المستوى المحلي.

إنّ إعادة الانتخابات الجزئية وفق اعتقادنا في ظل تواصل الصراع الحزبي والانشقاقات داخل أغلب الأحزاب نفسها لن تأتي بالجديد وسنواصل مشاهدة عدد من الاستقالات صلب المجالس البلدية وتعثّر الحكم المحلي من جديد وتعطل كافة الخدمات المقدمة للمواطن.

فتجاوز أزمة الحكم المحلي بتونس ما بعد الثورة يجب أن يمر ضرورة عبر إيجاد تناغم داخل المجالس البلدية نفسها،فالشكل الفسيفسائي لأغلب المجالس البلدية ساهم في فشل تجربة الحكم المحلي الى حد الآن ووضعنا أمام أقلية تحكم وأغلبية تعارض لتتم عرقلة كل مجهود يساهم في دفع التنمية في الجهات وحرمان المواطن من الحد الأدنى من الخدمات البلدية المنصوص عليها سواء في مجلة الجماعات المحلية أو ما يسمى بالدستور الصغير للحكم المحلي او بدستور الجمهورية الثانية.

ففشل الحكم المحلي بعد الثورة يدفعنا الى التساؤل عن جدوى الدستور الصغير (مجلة الجماعات المحلية ) في ظل الخلافات وتعطّل التسيير الطبيعي لأعمال المجالس البلدية نتيجة الاستقالات المتواصلة والانشقاقات الداخلية للأحزاب والصراعات الحزبية لتصبح بذلك وفق الحصيلة الحالية السلبية للحكم المحلي مجلة الجماعات المحلية نقمة وليست نعمة للمواطن وهو ما يجعلنا نبحث اليوم في كيفية إيجاد حلول جذرية لتطبيق جيد لهذا الدستور الصغير بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة.

فمنذ المصادقة على الدستور الصغير شاهدنا عديد الإشكالات المصاحبة سواء في تطبيق نصوص قانون مجلة الجماعات المحلية أو في التسيير نتيجة عديد الثغرات وتأويل بعض الفصول التي جاءت في صيغة فضفاضة مما ساهم في تعطيل الحكم المحلي وبروز حالة من الاحتقان صلب عدد من البلديات مما دفع الى حل أغلبها بالقانون والدعوة الى انتخابات جزئية جديدة لهذه المجالس المحلية.

ويرى اليوم أغلب المتابعين للشأن المحلي أن الدعوة اليوم لانتخابات جزئية للمجالس البلدية بنفس تركيبة الأحزاب دون المرور الى مراجعة مجلة الجماعات المحلية وتبسيط مسألة التدبير الحر وغيرها من النقاط التي ساهمت في بروز خلافات حتى في أعلى هرم السلطة تعتبر عبثية ونذكر على سبيل الذكر لا الحصر حادثة رئيس بلدية الكرم السيد فتحي العيوني الذي قال «انه تفاجأ بزيارة رئيس الجمهورية قيس سعيد لمنطقة الكرم دون استشارته..» وغيرها مثل التنازع على مستوى الصلاحيات التي كشفتها أزمة كورونا ببلادنا في علاقة باتخاذ القرارات على المستوى المركزي مما كشف عدم وجود تناغم في تطبيق هذه القرارات وكثرت التأويلات حول اشكال الجهة المخوّلة باتخاذ قرارات تعنى بالمناطق البلدية وفق مجلة الجماعات المحلية.

هذا الشلل التام وفشل تجربة الحكم المحلي بعد الثورة يستدعيان ضرورة النظر من جديد في مختلف الإشكالات التي برزت للعيان وكشفتها عديد الازمات سواء الداخلية في علاقة بالأحزاب ومبدإ التشاركية والتدبير الحر أو في علاقة ببعض الفصول التي جاءت بصيغة فضفاضة سمحت بتعدد التأويلات وخلقت صراعات حول من يقرّر ومن يمارس السلطة المحلية هل هي الجهة المركزية أم الجهة المحلية خاصة اذا تعلق الأمر بمسألة وطنية بامتياز كجائحة كورونا.

صحيح أن كثيرين يعتبرون مجلة الجماعات المحلية مكسبا ثوريا لبلادنا بعد الثورة رغم فشل تجربة الحكم المحلي الى حد الآن إلا أنهم يدعون الى مزيد ضبط بعض الفصول التي ساهمت في بروز إشكالات في التطبيق او الأخرى التي جاءت في صيغة فضفاضة وفسحت المجال أمام تعدد التأويلات وسرّعت في تغذية الصراعات الحزبية وتعطل السير الطبيعي للحكم المحلي.

فالحكم المحلي اليوم ليس تقنيا فقط أي مجرد انتخاب مجالس بلدية وجهوية وتنصيبها بقدر ما هو ممارسة يتطلب استثمار الدستور الصغير ( قانون مجلة الجماعات المحلية) في خدمة المواطن وتحسين شؤونه اليومية بعيدا عن الاستباق نحو التفكير في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة أو الصراع حول التموقع، فهل تتمكن المجالس البلدية بعد استكمال الانتخابات الجزئية في مختلف الدوائر من تجاوز هذه الخلافات الحزبية والايديولوجية وكسب الرهان المواطني وتثمين ما جاء في الدستور الصغير على أرض الواقع بعيدا عن كل حسابات سياسية وشخصية ضيقة؟.