الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



من مجتمع الاستهلاك المادي إلى مجتمع المعرفة

الثقافة والتقدم


بقلم: الدكتور منذر عافي

يطرح مفهوم الثقافة اليوم طرحا جديدا، يواكب في عمقه انتقال المجتمع الإنساني المعاصر من مجتمع الانتاج المادي إلى مجتمع المعرفة وللذكاء. وتفتح هذه الوقائع آفاقا جديدة وأبعادا متنوعة تحمل في طياتها نماذج ارشادية ترتكز اساسا على الجوانب اللامادية في منظومة الانتاج وفي خضم ذلك يتجدد الإطار النظري الذي تعالج فيه الثقافة.

 

 

لم تعد الثقافة في الواقع مجرد انتاج عفوي تحركه مشاعر وجدانية راسخة في الذاكرة الجمعية ،بل اضحت مجالا معرفيا معقدا تتداخل فيه الابعاد الرمزية للمجتمع وتتنوع المداخل الموصلة الى فهمها. وهي عوامل تجيز العودة المتكررة الى الثقافة بما تتضمنه من ابعاد معرفية وسوسيولوجية وسيميولوجية.

واذا كان أمر الثقافة متنوعا شديد الثراء، فان الاستثمار في المجال الثقافي بات يستدعي تخطيطا استراتيجيا منتظما اعتبارا الى أن الاستراتيجية تعني التخطيط وتحديد كيفية الوصول الى الأهداف التي تم ضبطها. ولعل هذه الضوابط هي مصدر ذلك الاهتمام المتنامي بالثقافة لدى النخب الفكرية والسياسية. فليس الوعي برهانات المعرفة سوى مؤشر لبداية التفكير في بناء البدائل الثقافية وبناء نسيج من المؤسسات النوعية وفق قواعد تكون أشبه بالبديهيات في حقول المعرفة الإنسانية وبالتالي لا يمكن تصور قيام مشروع فكري بمعزل عن إرادة مستقلة وقدرة على النظري العقلاني والمنطقي.

مجالات الفعل الثقافي

ان اتساع نطاق الفعل الثقافي وارتباط الثقافة بأنماط الانتاج والاستهلاك في المجتمع الحديث يمكن ان يقود الى توترات وأزمات مختلفة خاصة في الانظمة المنغلقة. وينتج عن ذلك اغتراب النخب الثقافية وانسداد الآفاق أمامها. وبالطبع اذا تمسك المسؤول السياسي بهاجس جعل الثقافة تطوع الثقافة وجعلها شأنا من شؤون الحكم وعنصرا من عناصر ايديولوجيته.

ولاشك أن كل عناصر الدولة ومكوناتها لا يمكن ان تنتظم الا من خلال منظومة ثقافية تحول دون الفوضى والاضطراب وتؤدي الى نوع من التوازن الجماعي ويمكن للثقافة ان تتحول الى قوة داعمة للتقدم السياسي والتطور الاقتصادي .

لا يمكن ان نتعامل مع المفاهيم ذات الصلة بالثقافة دون أن ندرك خصوصيات التحولات التي يشهدها المجتمع ،وهي تحولات ذات تأثير اقتصادي غير محدود من شأنها ان تساعد بدورها على الانفتاح على مسالك الثورة الاتصالية وتقنيات الاعلام والتراسل .ولا يمكن للأفراد والمؤسسات ومختلف هياكل الدولة بالتالي العمل بمعزل عن هذه المنظومة الثقافية المرنة اذا توفرت الفرصة أمام المثقفين للمشاركة في صنع القرار.

ان التحولات الثقافية الكبرى التي عرفها العالم وما رافقها من ثورة رقمية، اتاحت مساحة مهمة من المشاركة السياسية أمام المثقفين، في عصر المعرفة. وهذا الرهان الكبير الذي نتحدث عنه، اساسه العمل الثقافي غير المنفصل بطبيعة الحال عن جملة المسائل الهامة الاخرى، وأهمها الديمقراطية والمساواة وتحرير المبادرة. وهذا الأمر يتطلب التخلي عن التعامل باستخفاف مع الثقافة والمثقفين وعدم اعتبار المؤسسات الثقافية مجرد فضاءات للاستقطاب.

واذا كان اختيار التطور الديمقراطي وتعزيز اركان المجتمع المدني يخضع الى اسس وضوابط منهجية واضحة المعالم، فان استدامة عمل هذه الهياكل يستدعي توفر خصوصيات ثقافية والسير في طريق الفعل الثقافي.

لعل هذا الطرح من بين الأسباب التي أدّت الى البحث عن صيغ أكثر انفتاحا للثقافة على المجتمع، واختيار العوامل التي قد تؤدي الى الوحدة البنائية الوظيفية بينهما، يمكن للديموقراطية، في هذا الوضعية، أن تكون محورا هاما من محاور هذا التكامل وفق نظرة جديدة تهدف إلى الحدّ من التناقضات، والكشف عن العوامل التي يمكن أن تساعد على انتشار الثقافة بالشكل المطلوب. وهو ما أنشأ نوعا من التدفق الاعلامي الحرّ بما يعني عدم وضع أيّ قيود على المادة الاعلامية. ولا يعني هذا التدفق بالضرورة الديموقراطية في نشر الثقافة أو التعليم بشكل متوازن وعادل.

ان تحقيق هذه التطلعات يستوجب تناغما للثقافة مع الوسائط الاتصالية ومع الرهانات التي تطرحها صناعة المعرفة بصفة عامة. فكلما زاد نفوذ وسائط الاتصال زادت المطالب المادية لصناعة المادة الاعلامية. وبتعبير آخر لا يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتطور وتحافظ على مقومات بقائها دون الاستناد إلى فضاءات إعلامية متماسكة ومتينة.

يفترض هذا التمشي الثقافي خلق مجالات أوسع من أجل تأصيلها في واقعها الاجتماعي والعمل على اخراج العبقريات من الحالة المختبرية نحو افاق أرحب من الممارسة العملية والاجرائية.

ان فاعلية الثقافة في مواجهة الكثافة الاتصالية تكمن أساسا في اقامة حوار في اشكاله العلمية والعقلانية والانسانية... انه حوار ثقافي منفتح على آفاق وجودية أرحب لا قطيعة فيها بين الخاص والعام دوافعه عديدة أهمها الرغبة في انتصار العقل وسيادة المنطق العلمي.