الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



قد يكون عامل فرز رئيسي في العلاقة بين الغنوشي وسعيّد:

الموقف من ليبيا على محكّ السياسة الخارجية التونسية


بقلم: محمد بوعود

لا يمكن تفسيرها إلا بعامل من اثنين لا ثالث لهما، إما أن هناك اتفاقا بين قيس سعيد وراشد الغنوشي أن يفعل الأخير ما يريد في السياسة الخارجية، وإما أن هناك تحدياّ واضحا من الغنوشي لرئيس الدولة ووزارة الخارجية وكل ما يتعلق بسيادية المواقف التونسية.

 

وان كُنّا نميل إلى الفرضية الأولى باعتبار إن الثانية توجب بالضرورة تحديا مقابلا وهو ما لم يحصل إلى الآن. وما يعزز افتراضنا هو المكالمة الهاتفية التي أجراها السيد قيس سعيد مع السراج والتي اعتذر فيها عما بدر ساعتها من وزير الدفاع عفويا من حديث رآه الليبيون، مجانبا للتوصيفات الرسمية التي يجب ان تقال عند الحديث عن مسؤولي دولة صديقة.

تلك المكالمة تبرز بوضوح ان لا وجود لخلاف كبير في ما يتعلق بالملف الليبي بين رئاستي الجمهورية ومجلس النواب، وان الفارق بينهما فقط هو ان الغنوشي ينطلق من انتماء ايديولوجي يجعله يعبّر عن دعمه لطرف دون انتظار الموقف الرسمي الذي تصوغه الرئاسة في ما بعد، والذي لا يختلف كثيرا عن موقف الغنوشي الا بعبارات بروتوكولية عادية، لا تعني في واقع الامر شيئا الا لضرورة المجاملة فقط.

فرئيس مجلس النواب سارع الى تهنئة فايز السراج باستعادة قاعدة الوطية الجوية، علما أنها لا تمثل نصرا كبيرا وليست أهم من صبراطة ولا صرمان ولا حي الاندلس في ضواحي طرابلس، بل هي فقط دفع معنوي، خصوصا وان الاتراك هم الفاعل الرئيسي في استعادتها من جيش خليفة حفتر، وكان لهم الدور الرئيسي الفاعل في قصفها بمسيراتهم ليلا نهارا، والاكثر من ذلك ان الاعلام التركي كان طيلة الاسبوع الفارط يتحدث عن معركة الوطية وكأنها تدور على مشارف اسطنبول وليست في أقاصي ليبيا، اي ان النصر الذي تحقق هو نصر ايديولوجي لمحور اقليمي يرغب في بسط سيطرته على ليبيا، وليس لطرف محلي ليبي على حساب طرف آخر في نفس البلاد وبنفس المسافة من الجميع.

فتهنئة الغنوشي سياسية ايديولوجية، لن يعترض عليها قيس سعيد، الذي قد لا يقدّم تهنئة للسراج، وقد لا يعنيه كثيرا ان تسقط الوطية في يد الاتراك او في يد حفتر، لكنه سيتقيد حتما بالبروتوكولات القانونية التي تحدّد صلاحياته، والمديات التي يمكن ان يصل اليه في تعاطيه مع هذا الملفّ الذي بالفعل قد يكون نقطة فرز حقيقية في علاقته بالغنوشي التي لا ينكر أحد انها لا تسير على أحسن ما يُرام وانها تشهد كثيرا من الخلافات وتخيم عليها غيوم كثيرة، وقد تصل حتى الى الصدام او في أقل الاحوال الى الخلاف المعلن حول كثير من القضايا والتوجهات، وخصوصا حول هاجس "الزعيم الاوحد" التي تسكن الرجلين.

ومسارعة الغنوشي الى تهنئة السراج، باعتباره رئيسا للبرلمان ومخاطبه رئيسا لمجلس الرئاسة الليبي، أي حسب تقديره هو والامم المتحدة، رئيسا لليبيا، اي ان المفترض ان كان هناك موجب للتهنئة، يتقبّلها من رئيس الجمهورية قيس سعيد، ويهنّئ الغنوشي نظيره عقيلة صالح، وحتى ان كان لا يعترف به فيمكنه أن يهنئ النوري بوسهمين رئيس مجلس نواب السراج الذي يرفض ان ينحلّ رغم انتهاء صلوحيته.

أما الرئيس قيس سعيد فانه عمليا، أو بروتوكوليا ودبلوماسيا على الاقل أن يقدم التهنئة لفايز السراج، نظرا لعدة معطيات، أهمها كما يرى مراقبون: المعطى الاول هو ما جاء خلال الاجتماع المنعقد يوم 30 أفريل والذي خصص للنظر في الأوضاع في ليبيا، وشارك فيه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراء العدل والدفاع والداخلية والخارجية وعدد من الإطارات الأمنية والعسكرية.

جاء في هذا الاجتماع أن تونس" ترفض أي تقسيم للشقيقة ليبيا مهما كان الشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا التقسيم" وكانت تلك أول مرة تتم الإشارة فيها – تونسيا على الاقل - الى فرضية تقسيم ليبيا.

أما المعطى الثاني فهو البلاغ الصادر عن رئاسة الجمهورية يوم 8 ماي والذي جاء فيه تونس "سمحت بنزول طائرة تركية محملة بمساعدات طبية بمطار جربة / جرجيس الدولي شرط أن يتم تسليم ما بها من مساعدات موجّهة إلى الأشقاء في ليبيا إلى السلطات التونسية (أمن وديوانة) وشرط أن تتولى السلطات التونسية وحدها دون غيرها إيصالها إلى معبر راس جدير ليتسلمها الجانب الليبي.

وهو حديث فُهم أو وقع الترويج له على أساس انه خيار حيادي من الرئيس قيس سعيد، لكنه عمليا لا يتعدّى الحياد الاعلامي المقنّع، باعتبار ان الشرط واضح وهو ان تتولى المصالح التونسية نقلها الى راس جدير وتسليمها الى المصالح الليبية، في حين يعرف القاصي والداني ان بوابة راس جدير من الجانب الليبي محروسة من قبل قوات السراج، ولا يصدق عاقل ان الكتيبة المكلفة بحراسة المعبر ستتسلم المساعدات التركية من الامن التونسي وتقسمها على نصفين واحد توجهه الى طرابلس والاخر الى بنغازي، وبالتالي هو فقط مجرد ذرّ رماد على العيون، لان سياسة قيس سعيد وراشد الغنوشي تجاه ليبيا هي نفس السياسة، بقي ان أحدهما يندفع للتعبير عن موقفه بكل حماس لانتصارات ايديولوجية، والثاني ينضبط لمقتضيات البروتوكول الذي تفرضه عليه محدودية صلاحياته، لا أكثر ولا اقل..