الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بدأ في نزع الميدعة البيضاء لارتداء عمامة التنظيم

عبد اللطيف المكي يرسم «القانون والأخلاق» شعارا لمؤتمر النهضة !؟


بقلم: مراد علالة

لم يكن وزير الصحة والقيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي مخيّرا في عدم الإجابة عن أسئلة الزميلة سماح مفتاح في ضيافة قناة حنبعل مساء الأحد 17 ماي الجاري وهو الشخصية الرسمية والسياسية الأكثر ظهورا في الإعلام في هذه الفترة، لكن كان بمقدوره الجنوح إلى بعض التحفظ في الإجابة عن أسئلة بعينها تتصل بالخصوص بمستقبل حزبه ويبدو أن الحماسة والنية في التعبير عما يخالج النفس والعقل في علاقة بمستقبل التنظيم حرّرته من كل القيود وجعلته يكشف بشيء من الاقتضاب وبعفوية ربما، عمّا يمكن أن نعتبره شعار أو يافطة المؤتمر القادم للحزب وهي «احترام القانون والأخلاق».

 

وكما هو معلوم، فإن المكي من أبرز قادة الحركة الإسلامية ببلادنا وهو يمثل جيل الشباب فيها الذي انضم مبكرا إلى شيوخ تأسيس «الجماعة الاسلامية» ثم «الاتجاه الاسلامي» ثم «حركة النهضة» وكان دوره بارزا في الفرع الطلابي ثمانينات القرن الماضي، وله فوق ذلك رصيد هام يتمثل في التجربة السجنية و«الجهاد» في تونس وتحمّل معاناة حقبة الدكتاتورية والاستبداد وتداعيات «المحرقة» والصراع العبثي بين الاسلاميين والسلطة بخلاف من تحصّنوا واستجاروا بالخارج وعادوا «مظفرين» بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة.

وقد برز عبد اللطيف المكي كرقم أساسي في النهضة، سواء في التكلم باسمها والدفاع عنها أو في التعبير عن برنامجها في المحطات الانتخابية وتمثيلها في المجالس المنتخبة أو المشاركة في الحكومة ضمن حصتها علاوة على الدور الكبير أيضا في أطر وهياكل التنظيم وخصوصا خلال المؤتمر الأخير وهو العاشر الذي لم يُظهر فقط حدة الصراع بين ما سمّي بالدعوي والسياسي وإنما بين الرموز والقادة و«تمرّد» القيادات الشابة والمتوسطة على الشيخ المؤسس وهنا تحديدا برز الرجل وصمد ولم يستسلم بخلاف من قفز من المركب على غرار زبير الشهودي وعبد الحميد الجلاصي وزياد العذاري وهشام العريض وغيرهم..

سياق مناسب

وقد ساعدت جملة من التطورات في المشهدين الوطني والسياسي في تحرّر عبد اللطيف المكي ليدلو بدلوه في شأن النهضة فالتطورات ايجابية نوعا ما في مجال الحرب على الكورونا وبدأت أوجه الحياة تعود الى طبيعتها وبالتالي لا شيء يمنع من العودة «للسياسة» وإعداد العدّة للمستقبل.

ثانيا، لقد وضع آخر استطلاع للرأي وزير الصحة ضمن الشخصيات الثلاث الأولى الأكثر ثقة لدى التونسيين بنسبة %51، خلف رئيس الجمهورية قيس سعيّد بنسبة %61 وأمام رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بنسبة %44. وهي منزلة لم يصل إليها أي قيادي نهضاوي باستثناء عبد الفتاح مورو في وقت من الأوقات.

ثالثا، لقد أقدم راشد الغنوشي على حل المكتب التنفيذي للنهضة في حين أوضح بيان للحركة تحويل هذا الهيكل إلى مكتب تصريف أعمال واعتبره خطوة لإدخال تعديلات في تركيبته استجابة لمتطلبات واستحقاقات المرحلة. واختلفت الروايات بين ما يفيد أن هذه الخطوة رد فعل على ما تكابده الحركة من متاعب في الحكم وفي البرلمان وفي الشارع التونسي وحتى على المستوى الإقليمي والدولي ومن يرى أنها خطوة منتظرة بل ومتأخرة على حد تعبير عبد اللطيف المكي نفسه في اطلالته الاعلامية والتي كشف فيها خلافا واختلافا صريحا مع ما قاله رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني من أن «الأمر يتعلق بمراعاة التطورات الداخلية للحركة والبلاد، ولا يعكس وجود أي خلافات بين مؤسسات الحركة»!.

ختاما، لا يمكن فصل ما تقدم عن المؤتمر الحادي عشر للنهضة الذي كان مقررا لهذا الشهر ولئن ظهرت بعد مؤشرات تأجيله قبل انتشار وباء الكورونا فإن الأوضاع الراهنة ساهمت في ترحيله إلى أجل غير مسمى وقد يكون هذا الأجل هو محور الصراع اليوم بين «أركان» الحركة ومن بينهم بطبيعة الحال عبد اللطيف المكي الذي لم ينصفه المؤتمر العاشر مثل كثير من إخوته ممن خرج من التنظيم أو هو مستمر فيه الى حين.

انتقال ضروري

ويبدو أن حجج المكي ووقود معركته في المؤتمر القادم هي إلى جانب رصيده المعنوي على رأس وزارة الصحة وما كسبه من تعاطف من أبناء الحركة ومن غيرهم بفضل حضوره الذي بلغ الشعبوية في بعض الأحيان، هو التمسك بـ «احترام القانون والأخلاق السياسية وتصعيد قيادة جديدة من أجل تكريس الديمقراطية داخل الحزب» وعلى أساس أن «النهضة لها قيادات قادرة على حمل المشعل وهناك طلبة قادوا الحزب في وقت من الاوقات»...

وقد كان المكي واضحا في معارضة ما يمكن أن نعتبره «مناشدة» من أجل بقاء الشيخ المؤسس على رأس التنظيم والبحث عن فتاوى قانونية و«تخريجات» إجرائية لمبايعته مجددا وتمكينه من تمديد أو تجديد الولاية.

إن الانتقال أصبح ضروريا على رأس النهضة، هكذا يعلن عبد اللطيف المكي بوضوح ويحمّل رئيس الحركة شخصيا ومن معه من أبناء النهضة مسؤولية تأمين هذا الانتقال ويعتبر أن الخوض في الموقع القادم لراشد الغنوشي داخل النهضة أو مناقشة أي دور مستقبلي له هو عمل لا أخلاقي ولا يتم طرحه إلا بعد المؤتمر وبعد تنصيب الرئيس الجديد للحركة الذي سيفرزه المؤتمر، نقطة الى السطر كما يقال واذا لم يحدث هذا ستكون «انتكاسة الحركة».

وللتاريخ أيضا، هي ليست المرة الاولى التي «يتدافع» فيها عبد اللطيف المكي مع راشد الغنوشي منذ المؤتمر الأخير للحركة وقد احتد التدافع قبل أشهر على هامش الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أدارها «الشيء» بكثير من التفرد بالرأي وكان حاسما في خياراته التي اختلفت حتى مع بعض الخيارات القاعدية في تشكيل القائمات الانتخابية على سبيل المثال وكذلك التعاطي مع مرشح الحركة في السباق الرئاسي وهو ما جلب له انتقادات كثيرة داخلية بعد ظهور النتائج وحتى عند تشكيل الحكومة في نسختيها الاولى والثانية.

الاختبار الصعب

هذا وبنفس الصرامة التي كان المكي يعبّر بها عن تمايزه مع راشد الغنوشي لدرجة وصمه بـ «المستبد» واستغراب الجمع بين مسؤولياته الرسمية والحزبية وعدم تفرغه، كان يوجه رسالة واضحة لخصومه واصدقائه على حد سواء قائلا «لن تفرحوا بذلك اليوم، فما بيني وبين رئيس الحركة وبين كل قيادات النهضة وأبنائها من ودّ لن يفسد له الاختلاف في الرأي قضية».

لكن يبدو أن الوقت حان لينزع عبد اللطيف المكي ميدعة الطبيب وزير الصحة ويدخل في صميم الموضوع استعدادا للمرحلة القادمة متسلحا بما لديه من رصيد كما اسلفنا، مستفيدا مما يمكن أن نسميه أخطاء واجتهادات إخوته الذين هجروا الحركة بسهولة أو سلموا امرهم للشيخ مع الأخذ بعين الاعتبار وجود شخصيات منافسة وازنة مثله وربما أكبر منه سنا وتجربة وجهادا وتمرسا على التسيير وحتى الحكم على غرار علي العريض.

كما سيجد عبد اللطيف المكي نفسه في صورة انجاز المؤتمر، أمام نفس الاشكالية التي طرحها أمام الغنوشي وهي وجود فصل في القانون الداخلي يقول إن رئيس الحركة يجب أن يكون متفرغًا وهو ما يعني لا التضحية فقط بالمنصب الوزاري بكل دلالته الذاتية وانما البرهنة على احترام القانون والاخلاق وهي اليافطة او الجواد الذي امتطاه بعد في «غزوة المؤتمر» إن جاز المجاز دون الحديث بطبيعة الحال عن تغيير جذري في الاطروحات والمرجعية الفكرية لاحدى أهم جماعات الاسلام السياسي في المنطقة وحتى في العالم وهو مجال آخر لبقية الحديث.