الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الحُكم يكرّر الفشل والمعارضة تحافظ على نفس أساليب الاحتجاج:

دعوات لإسقاط النظام السياسي واقامة جمهورية ثالثة وحل البرلمان


بداية وقبل الحديث عن دعوات حل البرلمان ومحاسبة راشد الغنوشي والتي تطورت حتى الى المطالبة باستفتاء وبمرور للجمهورية الثالثة من خلال تغيير الدستور، لا بد من التأكيد على أمر هام ويشكلّ العمود الفقري لما يجري التحضير له الآن، أو هو الذي بنى الأرضية لكل ما يجري، وهو مسألة تكرار الفشل، بنفس السياقات وبنفس الخطاب وبنفس الطبقة السياسية حتى وان تغيرت بعض الأسماء، وفي المقابل أيضا تكرار نفس الاحتجاج، بنفس الأساليب وبنفس الشعارات حتى وان تغيرت بعض الأسماء أيضا.

 

فالحكم الحالي لا يختلف في جوهره كثيرا على حكم الترويكا، التي قضّت أكثر من سنتين في تجاذبات من نوع الشريعة مصدر القوانين والمرأة مكمّلة للرجل ام مساوية، وفي السياحة الحزبية والاستعراضات الخطابية وخاصة الشتائمية في البرلمان وفي البلاتوهات التلفزية، الى ان عمّ الفشل وانحدرت البلاد الى فوضى العنف والاغتيالات فكانت الهبّة الاحتجاجية التي شكلت اعتصام الرحيل الذي أدى بدوره إلى الحوار الوطني وقيام حكومة انتقالية.

هذه المرة تعيد الطبقة الحاكمة نفس الأخطاء بنفس العناوين تقريبا، من حصص للردح البرلماني الى سباب تلفزيوني الى هجمات الذباب الأزرق وقضاء الوقت واستنزاف الجهد في التفويض لرئيس الحكومة من عدمه وفي تعيين المستشارين واقتسام غنيمة الكراسي مرورا بصندوق الزكاة وقانون الجواز الدبلوماسي وطاقم رئيس المجلس والحكومة التي قيل انها لن تتجاوز الأربعة وعشرين وزيرا ووصلت اليوم إلى أربعة وخمسين، وغيرها من التجاذبات التي لا طائل من ورائها إلا استنزاف الوقت والجهد والثروة، وتعرف السلطة الحالية أنها مرت بنفس الظروف في السابق وتعرف المصير الذي آلت اليه، لكنها تعيد وتكرر نفس التصرفات وكأنها لم تتعلم ولم تتعظ.

في المقابل، تبدو المعارضة وكأنها تريد استنساخ نفس التجربة الفارطة، وهي أن يأتي الذي خسر الانتخابات في مستهل فترة الحكم ويتحجج بالفشل، الذي هو أمر واقع فعلا، ويطالب برحيل الحكومة او تغيير الدستور واسقاط النظام السياسي. وهي معادلة ديمقراطيا لا يمكن استيعابها الا اذا وصلت البلاد الى حالة أزمة خانقة او حالة خطر داهم، فهل وصلت بلادنا فعلا الى هذا الحدّ ام ان هناك تسرّعا من بعض أطراف المعارضة للضرب بقوة قبل ان تتمكن الحكومة من تجذير نفسها ومن السيطرة على كل مفاصل الحكم؟

هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه إلا من قبل أقطاب دعوات الاحتجاج أنفسهم، فهل فعلا استشعروا وتلمّسوا عجز الدولة وفشلها حتى يدعون للتحرّك بهذه القوة وتحت هذه الشعارات التي تتجاوز مسألة تغيير وزير فاشل أو مساءلة حكومة عاجزة.

فان كانت النية مبيّتة لإسقاط الحكومة مهما كانت الذرائع والاسباب، ساعتها لا يستقيم ذلك ديمقراطيا وسياسيا وأخلاقيا، أما ان كانت الدعوة للاحتجاج هي فعلا تقويم لمسار فشل ولا يمكن إصلاحه إلا بإسقاطه نهائيا، فان المسألة ساعتها تأخذ أبعادا أخرى، ولن تجد إجاباتها أبدا، لان هناك من سيذهب للمؤامرة والانقلاب وهناك من سيلقي كل الحمل على الأطراف الخارجية وعلى محاور إقليمية، أما داخليا، وبالأخص بالواقع الذي أفرزه النظام السياسي الحالي، فانك لن تجد أبدا من تحمّله مسؤولية الفشل، فلا رئيس الجمهورية يتحمل وزر ما يجري ولا الحكومة بالقيود التي يفرضها الدستور قادرة أيضا على أن تعمل بيد مطلوقة، ولا البرلمان الحالي أيضا يمكن تحميله وحده مسؤولية فشل الجهاز التنفيذي في إخراج البلاد من واقع الأزمة.

وعلى هذا الأساس تبدو اللعبة متعادلة في كامل تجلياتها وسياقاتها تقريبا، فلا الحكم مستعد الآن للتخلي عمّا يعتبره شرعية ديمقراطية أفرزها الانتخاب، ولا الطرف الآخر قادر على تقديم مشروعية شعبية تكون على شكل الهبّات الجماهيرية المزلزلة التي وقعت تاريخيا في بعض البلدان وأدت الى تغيير مساراتها جملة وتفصيلا.

وبالتالي فان الطرفين على ما يبدو سيحتكمان الى قانون المصالح المتبادلة، والتنازلات المقبولة ويجدان صيغة للتعايش، لأنه منطقيا لن يتكرر اعتصام الرحيل وحتى ان تكرر فلن يؤدي إلى حوار وطني وحتى لو أدى إلى ذاك الحوار ووصل الى انتخابات مبكرة فمن يضمن للمعارضة ساعتها أنها ستفوز، بل من يضمن لها ان لا تكرر نفس النتائج الصفرية السابقة؟.

ختاما لن نتحدث عن تغليب العقل، لان الطرفين قلّ وندر ان احتكما اليه، لكن نودّ ان نحذّر فقط من الواقع الاجتماعي الهشّ، والقابل للانفجار في أي لحظة، وعلى الجميع ضبط النفس وعدم اللعب بالنار حتى لا يأخذوا البلاد الى مزالق لا يعلم نتائجها الا الله.