الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عين على القصبة وقرطاج وأخرى على «البطحاء» من أجل السلطة

جلسة استعراض عضلات «كورونية» تحت قبة البرلمان !


بقلم: مراد علالة

يبدو أن أوليات «السلطة الأصلية» في بلادنا ليست معدّلة على عقارب ساعة الوطن والعالم، فبعد الصور التذكارية لرئيس مجلس نواب الشعب وهو يجود ببعض ماله الخاص لفائدة صندوق مجابهة انتشار فيروس كورونا 18-18 مباشرة إلى وزير المالية، والبيان «الحدث» للتضامن مع أحد النواب الذي تعرض إلى إشكالية في جهته، ها هو البرلمان ينجح في «جلب» الحكومة برمتها ممثلة في رئيسها لـ»إجراء حوار حول الوضع العام بالبلاد في علاقة بالوضع الصحي» اليوم الخميس 26 مارس 2020.

 

إذا كان لنا أن نختار عنوانا ليوم أمس في تونس، رسميا وشعبيا، فلن يكون في تقديرنا سوى على هذه الشاكلة : يوم «كورنوي» جديد، عين على القصبة وقرطاج وأخرى على «البطحاء» من أجل السلطة المطلقة... !.

بالأمس، الخميس 26 مارس 2020، تحصّن نواب الشعب الخارجون من صناديق الاقتراع بفضل أصوات «الغلابة» كما يقول الشاعر أحمد فؤاد نجم، بأسوار قبّتهم في باردو و»جلبوا» الحكومة بطم طميمها من أجل إجراء حوار حول الوضع العام بالبلاد في علاقة بالوضع الصحي. وقد استبقوا الحوار الذي تأخر لساعات طوال بعمل تشريعي غريب كي لا نقول مريب كما جاء في شرح أحد النواب تمثل في المصادقة على اعتماد قرار وحيد يتعلق بإقرار إجراءات استثنائية تفاعلا مع ما قيل أيضا انها متطلبات الوضع الذى فرضته أزمة فيروس كورونا وذلك ب122 صوتا مع احتفاظ 17 نائبا واعتراض 3 آخرين.

وتضمن القرار كما صار معلوما ستة أحكام من بينها تمكين «السلطة الأصلية» من انعقاد جلساتها العامة عن بعد وأن يقرّ مكتب المجلس مدّة وصيغة مختصرة لمناقشة مشاريع القوانين المعروضة على الجلسة العامة على أن تتولى خلية الأزمة التى تم تكوينها منذ مدة صلب البرلمان مهمة مراقبة العمل الحكومي، وهذه مسالك كان بالإمكان الاهتداء اليها واعتماد ما هو متوفّر في الوثائق القانونية الرسمية وفي العرف الجاري به العمل في المؤسسة التشريعية ولم تكن ثمة حاجة وجيهة لهكذا تشريع وخلع لأبواب مفتوحة وبالتالي هدر الوقت والجهد.

المهم الآن، غنم أهل الحلّ والعقد في باردو ما شاؤوا، والأهم من ذلك أنهم سجّلوا نقطة في إطار «التدافع» والصراع مع سكان القصبة وقرطاج ووجهوا رسالة «قوية» إلى بطحاء محمد على الحامي، المقر الرمزي والمركزي والتاريخي للاتحاد العام التونسي للشغل.

هذا ولم يتردّد نواب كتل بعينها مثل حركة النهضة وما تبقّى من قلب تونس بعد استقالة ثلث أعضائها تقريبا وائتلاف الكرامة في الإصداح بالنوايا والمجاهرة بالخشية من منح حكومة الياس الفخفاخ التفويض وفق الفقرة الثانية من الفصل 70 من الدستور وهو تفويض محدّد في الزمن لا تتجاوز فترته الشهرين من تاريخ دخوله حيز النفاذ وهو حل استثنائي لجأنا إليه في 2011 وكان أوّل مرسوم يتعلق بالعفو العام آنذاك.

واستبق راشد الغنوشي رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة الجميع، حيث «شدّد» حسب بلاغ نشره المجلس قبل بداية جلسة الحوار وخلال لقاء جمعه برئيس الحكومة على «جاهزية السلطة التشريعيّة للقيام بدورها الوطني في معاضدة الجهد الذي تقوم به السلطة التنفيذية واستعداد مجلس نواب الشعب الكامل للتفاعل السريع مع كلّ التطورات والطلبات التشريعيّة اللازمة لمعالجة الوضع الطارئ وتوفير كلّ ما تحتاج الحكومة لتفعيل الإجراءات التي تمّ الإعلان عنها مؤخرا» وكرّر نفس الأفكار في كلمة الترحيب والتعليق على مداخلة الياس الفخفاخ أمام النواب !.

وقد تلقى ساكن القصبة الرسالة، بل هو ربما جاء عالما بها ومصرّا على «تلطيف» الأجواء إن جاز القول وطمأنة الخائفين على «الديمقراطية»، لذلك لم يتأخر في مغازلة جماعة السلطة الأصلية بأنه لم يطلب تفويضا شاملا لإصدار المراسيم من خلال مشروع القانون الذي تم إرساله إلى البرلمان قبل أيام، وإنما أراد فقط أن يعطيه هذا البرلمان سلاحا محددا لمجابهة الوباء ولا علاقة للموضوع بافتكاك السلطة التشريعية، بل هو سلاح دستوري يمكّن من تفعيل كل الإجراءات والقرارات الاستباقية اللازمة لمحارب وباء كورونا على حد تعبيره.

ورغم ذلك، لم يتردّد عدد من النواب في تسجيل النقاط واستغلال فرصة البث المباشر ربما لإعلان الحرب على الكورونا والدعوة إلى الوحدة الصماء والى تطوير أداء الحكومة وغير ذلك من البطولات التي صارت مألوفة في العمل النيابي ببلادنا.

ولم يسلم رئيس الجمهورية من النقد ولو المحدود من قبل بعض النواب الذين عادوا الى تفعيله للفصل 80 من الدستور في غياب المحكمة الدستورية ودون اعلام مباشر للشعب.

الى هنا يمكن القول أننا تناولنا نصف الخبر كي لا نجازف بالقول أننا استعرضنا النزر القليل منه، فما بقي في الأذهان بعد جلسة الأمس هو «وفاء» نواب الشعب للشعب بمحافظتهم على تلك الصورة السلبية التي رسموها هم لأنفسهم لدى التونسيين والتونسيات وقد نجوا في تحقيق إنجاز كبير هو تعليق عمل الفريق الحكومي على مدار اليوم وبدل أن ينصرف الوزراء لمتابعة جنود الوطن العاملين في الصحة والجيش والامن والخدمات وغيره في أتون الحرب على الكورونا ظلوا في قاعة الانتظارعلى ذمّة السلطة الأصلية !

والخطير في تقديرنا تخصيص الطيف الواسع للنواب يوم أمس جهدهم لما يمكن أن نسمّيه «تصفية حساب» مع المنظمة الشغيلة التي كانت ولا تزال وستظل العمود الفقري للتجربة التونسية قبل وبعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة.

ولم يجد النائب محمد العفاس حرجا في إشهار سرواله الممزّق في واقعة اجتماع اللجنة الجهوية الصحية الفنية في صفاقس قبل أيام واعتذاره على تعثّره في القراءة - هكذا - بسبب فقدانه لنظارته في «جبهة المعركة» مع النقابيين الذين أخذوا أيضا هاتفه كما قال...

شهادة النائب عن ائتلاف الكرامة التي كانت في إطار نقطة رئيسية على جدول أعمال البرلمان بوصفها ربما من الأولويات الوطنية لنواب الشعب ايضا في زمن الكورونا، مثّلت المدخل المناسب لإخوانه الذين لم يتوانوا في العمل بمقولة «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ولم يسلم الاتحاد العام التونسي للشغل وممثل السلطة التنفيذية في الجهة وهو والي صفاقس وكذلك السلطة القضائية ممثلة في النيابة العمومية، جميعهم قيل فيه ما لم يقله مالك في الخمر، اتهامات وتجريح وكلام أقل ما يقال فيه انه لا يليق بحرمة المجلس الأمر الذي دفع برئيس الجلسة إلى وقف الأشغال لبعض الوقت وشاهدنا في المباشر تلك المشاهد المألوفة للمشاحنات الخارجة عن الموشوع.

في غضون ذلك كان الأمين العام للاتحاد يبحث فيما ينفع الناس وبشّر التونسيين بوجود اتجاه نحو تمكين جميع الموظفين وكذلك العاملين في القطاعات الهشة والصغرى من تأجيل سداد قروضهم لمدة ثلاثة أشهر بناء على دعوة من رئيس الجمهورية والبنك المركزي.

إن ما ينفع الناس هو ما يبقى في الأرض وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة، ورغم ساعات العمل المهدورة التي تسبب فيها نواب الشعب للفريق الحكومي وحتى لفئات الشعب وللمواطنين الذين تكبّدوا عناء المتابعة التلفزية ليوم برلماني كانوا يمنّون النفس بأن يكون يوما إيجابيا مثمرا وفعّالا ومجديا يرسّخ صورة الوحدة الوطنية وقيم التضامن والتآزر والتعاون وابتكار الأسلحة المناسبة لتحقيق الانتصار في الحرب على الكورونا وخصوصا الاسلحة الاستباقية أمام الحالة الصعبة التي شخّصها رئيس الحكومة وهي معلومة في خطوطها الكبرى لدى الجميع، رغم كل ذلك قدرنا الانتصار.