الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عندما تُنتهكُ سيادة الدولة الليبية:

«حيادُ» الموقف التونسي مرفوضٌ .. مرفوضٌ


بقلم: الهاشمي نويرة

لَمْ يحدث قطّ أن كانت تونس على هامش ما يُمكن أن يحدث من خَيْرٍ في الشقيقة ليبيا، فهي الآن على هامش ما يحدث وما يمكن أن يحدث مستقبلا .وتونس التي دأبت على التزام دبلوماسيتها مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول فضلا عن رفضها الدخول في سياسة المحاور ، وجدت نفسها منذ جانفي 2011 في قطيعة تامّة مع هذا العرف الدبلوماسي التونسي الذي أرسته دولة الإستقلال بزعامة الحبيب بورقيبة .

 

وهذه السياسة بدأت للأسف مع الراحل الباجي قايد السبسي منذ أن كان وزيرا أوّل للحكومة ثمّ هي أصبحت «ثابتة» في السياسة التونسية مع الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي والذي خضع بالكامل لإرادة حركة «النهضة» وسياساتها التي كانت امتدادا لا غبار عليه لسياسة «الإخوان» التي تموّلها وتؤمّنها وتموّلها قوى إقليمية ودولية على رأسها تركيا وقطر .

 

وما عاينّاه أنّ الراحل الباجي قايد السبسي لم يُراجع هذه السياسة إلّا بصفة جزئية وقد أسرّ لي في أكثر من مناسبة بأنّ المسألة الليبية كما المسألة السورية على درجة كبيرة من التعقيد وأنّ حلّها يستوجب بعض الوقت ، ولم تسعفه المنيّة لإصلاح ما أفسدته السياسات السابقة رغم أنّه بدأ بربط خيوط التواصل مع المشير خليفة حفتر في ليبيا ومع النظام السوري حينئذ .

 

ونشهد الآن إعادة إنتاج لنفس السياسات ، إذْ يبدو أنّ الدولة التركية هي بصدد استغلال وضعية هشاشة مؤسّسات الدولة في تونس وضعف الأداء السياسي والدبلوماسي لرئاسة الجمهورية والغياب التامّ لأيّ عمل دبلوماسي ملموس وانصراف البرلمان والقوى السياسية والحزبية إلى متابعة مسار تشكيل الحكومة ، استغلت تركيا وغيرها من القوى هذا الوضع من اجل فرض تصوّرها لما يجب أن يحدث في ليبيا وذلك بتزكية واضحة من «النهضة» .

 

غير أنّ هذه السياسة لا يبدو أنّ طريقها سالكة نظرا إلى أنّ هذه السياسات هي مرفوضة بالكامل من جلّ القوى السياسية والحزبية الأخرى وبالخصوص من منظمات المجتمع المدني بقيادة الإتّحاد العام التونسي للشّغل الذي يُعتبر صمّام أمان قيم دولة الإستقلال بحقبتيها وهو إلى ذلك السّاعي بجدّ إلى تحقيق الكرامة والحرّية للمواطن والعزّة والسيادة للوطن ،بل إنّنا نجزم أنّ إدخال تونس في سياسات المحاور وفِي أجندات دول أخرى بخصوص الوضع في ليبيا تحديدا هو عمل ،لا يمكن أن تكون له حاضنة شعبية ومواطنية في تونس لاعتقادنا بأنّ مصير الشعبين التونسي والليبي مرتبطان ببعضهما وأنّ التونسي لا يفرّق بين مكوّنات الشعب الليبي في سرقها وفِي غربها وهو لذلك عبّر ويعبّر عن مساندته المطلقة لوحدة ليبيا دولةً وشعبا والتونسي لا يطلب من دولته غير البقاء على مسافة من النزاع الليبي تساعده على لعب دور وسيط الخير ما دام هذا النزاع داخليا لأنّه إذا تشابكت مصالح بعض الأطراف الداخلية مع مصالح وأجندات خارجية فإنّه يصبح لزاما على الدولة التونسية دعم الموقف الوطني الليبي .

وإنّ ماهو جليٌّ وواضحٌ للجميع أنّ حكومة السرّاج التي تلقى دعما دوليا وخصوصا من تركيا وقطر وتدعمها في تونس «النهضة» التي فرضت موقفها هذا على الدبلوماسية الرسمية التونسية، وبتعلّة صدّ قوات الجيش الليبي فتحت الباب مشرعا لشتّى التدخّلات الأجنبية في الشقيقة ليبيا وعلى رأسها تركيا التي تريد إعادة التموقع في دول شمال إفريقيا لاعتبار مصلحتها الإقتصادية البحتة وربّما أيضا لحنين إلى ماضيها الإستعماري في المنطقة وهو ما يهدّد فعليا الأمن القومي التونسي ويفرض على الدولة التونسية الخروج عن حيادها المغشوش وحتّى الإصطفاف وراء الموقف الوطني الليبي.

 

إنّ الموقف التونسي ممّا يحدث في ليبيا لا يجب أن تحدّده حركة «النهضة»التي ماتزال محكومة بثوابت حركة «الإخوان» الدولية وإنّما هو موقف تشكّل عبر التاريخ على أساس الإرتباط الاستراتيجي بين مصلحة الشعبين والدولتين وذلك وِفْقَ ثوابت المحافظة على وحدة واستقلال البلدين ضدّ كلّ أشكال التدخّل الخارجي وعلى مبدإ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية إلّا بما يوسّع دائرة الخير وعلى التضامن التامّ بين الشعبين والدولتين .

إنّ رئيس الجمهورية هو مُطالَبٌ بالإلتزام بهذه الثوابت لا أكثر ولا أقلّ .