الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بين الصورة التي يسوّقها المسؤولون والواقع الذي يتخبط فيه التونسيون:

تونس المنكوبة... تحت الماء...


بقلم: مراد علالة

غريب أمر حكامنا الجدد وخصوصا أعضاء حكومتنا القائمة... لم تمض أسابيع قليلة على الأمطار الهامة التي عرّت زيف الانجازات ومؤشّرات التحسن المسّجل في تنفيذ الوعود حتى انهمر الغيث من جديد وعمّ كل ربوع الوطن فبانت من جديد تلك الفجوة الهائلة بين الصورة التي يسوّقها «المسؤولون» والواقع الذي يتخبط فيه التونسيون كل مرة بمجرد نزول عشرات المليمترات من الأمطار...

ماذا فعل حكامنا بين «الكارثة» الأولى التي ترجع الى زهاء الشهر و«الكارثة» الجديدة التي شلّت تونس الكبرى خلال اليومين الماضيين وطالت انعكاساتها أيضا عديد المدن الداخلية.

المؤسف أيضا أن يصدمنا وزير التجهيز في «الحكومة الآفلة» بتصريح جديد مثير الى اذاعة موزاييك أف أم الخاصة يأسف فيه بدوره للبنية التحتية التي تشهد عدة اشكالات منذ سنوات وخاصة على مستوى تصريف مياه الأمطار على حد تعبيره.

ويضيف «المسؤول» في السلطة التنفيذية ان الحقيقة هي في «عدم وجود وضعية كارثية مثلما يتصور الجميع... نحمد الله لا وجود لكوارث والمواطنون بخير»!

هذا هو الحال اليوم وهذا هو الحد الأدنى الذي صارت الحكومة قادرة على توفيره للتونسيين: البقاء على قيد الحياة كما اتفق بقطع النظر عن بقية الحقوق سواء تعلق الأمر بالحق في الأكل أو الماء الصالح للشراب أو النقل أو الإنارة أو الحماية من الغرق واتلاف الأغراض والادباش ودمار البيوت وغيرها بعد أكثر من سبعة عقود على قيام دولة الاستقلال.

عذرا معالي الوزير، عذرا مسؤولينا في الحكم المركزي، في أبراجكم العاجية، فهذه شهادة من حاكم محلي هي رئيسة بلدية سكرة من ولاية أريانة توصّف فيها المدينة بـ«المنطقة المنكوبة» وتطلق نداء استغاثة عاجل اليك معالي وزير التجهيز وزملائك وزراء الفلاحة والبيئة وحتى رئيس الجمهورية من أجل التدخل «قصد انهاء الوضع الكارثي الذي تعانيه المنطقة اثر تساقط الامطار» وفق النداء!

لم يختلف الوضع أمس في كل أطراف تونس الكبرى الممزقة، في العاصمة، في منوبة، في بن عروس وفي أريانة لولا دور جيشنا الوطني ومؤسستنا الأمنية والعسكرية ولولا العطلة المدرسية لكان الأمر اكثر سوءا ولكانت النتائج اكثر فظاعة ومن يدري حينها ماذا سيقول «الوزراء».

عذرا معالي الوزير، لقد كشفت ارقام رسمية للهيئة العليا للرقابة الادارية والمالية وتداولتها أمس عديد وسائل الاعلام وجود 39 ملف شبهة فساد بوزارة التجهيز وحدها خلال العام 2018 فقط، كما تمت إحالة ملفات 220 مقاول على القضاء. وتفيد التقديرات أن حجم الفساد في الصفقات العمومية يبلغ حوالي ألفي مليار ومن بين ألفي ملف فساد تعالجها هيئة مكافحة الفساد هناك 140 ملف متعلق بصفقات عمومية ذات صلة بالبنية التحتية.

وعلق المبحرون على شبكات التواصل الاجتماعي مثلهم مثل «المبحرين» في وحل الأمطار «إذا عرف السبب بطل العجب» فما حلّ بنا أمس، بطرقاتنا وجسورنا ومفترقاتنا ووسائل نقلنا العمومي والخاص وبخدمات الكهرباء والماء والغاز ليس صدفة ولا مجال للمفاجأة فيه والمؤسف مرة أخرى أن حجم وطريقة التعاطي الحكومي مع هذا الملف وغيره هي نفسها رغم تعاقب الحكومات وتهاطل الوعود بمنسوب أرفع كثيرا من منسوب مياه الامطار.

أجل هو الفساد، هو سوء التخطيط، هو الافلات من العقاب، هو الاتجار بمشاعر ووعي الناس من أجل الوصول الى الحكم والبقاء فيه دون الوفاء بالوعود ودون الالتزام حتى بمجرد انجاز المتفق عليه والذي يعود بعضه الى عقود وسنوات خلت.

ان التحجج اليوم ككل مرة بإرث ما قبل 2011 واتخاذ النظام القديم «شماعة» لتعليق الفشل لم يعد مستساغا اخلاقيا وموضوعيا فقد مرت بعد 8 سنوات عجاف اضطلعت فيها احزاب وشخصيات بعينها بأعباء الحكم وكان بمقدورها تغيير حال البلاد والعباد نحو الافضل كي لا نقول تحقيق اهداف ثورة الحرية والكرامة.

واليوم أيضا، نحن نشهد مسار تشكيل حكومة جديدة تحت الأمطار ان جاز القول بعد تنصيب رئيس الجمهورية الجديد، نرجو أن تنفتح الأبصار على هول الكارثة وأن يكون التركيز على برنامج الحكم اكثر من تقسيم كعكته خصوصا وأن هذه الامطار ستكون مرفوقة بشتاء صعب وكم من شتاء اهتزت فيه العروش ولم تستخلص منه الدروس.