الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مشهد يتكرّر كلّ خريف وشتاء

معاناة الناس العالقين في وسائل النقل تتضاعف


الصحافة اليوم: نجاة الحباشي

إنها الساعة العاشرة صباحا. كان من المفروض أن يكون قطار المسافات الطويلة المتجه إلى العاصمة صبيحة هذا الاثنين قد وصل إلى محطته النهائية قبل التاسعة صباحا على اقصى تقدير . لكنه في هذا اليوم تأخر كثيرا عن موعده وتوقف على مشارف العاصمة بسبب هطول الامطار بغزارة.

امتلات السكة الحديدية بالمياه والطين والشوائب ممّا أعجز سائق القطار عن مواصلة رحلته صوب المحطة النهائية ، محتجزا داخله مئات المسافرين من العائلات والأطفال والعجائز والشيوخ والشباب جاؤوا من شمال البلاد ووجدوا أنفسهم عالقين داخل القطار المتوقف و في حالة عجز تام عن الوصول إلى وجهاتهم سواء كان ذلك بواسطة القطار او بواسطة اي وسيلة نقل أخرى خارج المحطة.

فالامطار عطلت كذلك حركة المرور واصابت اغلب الطرقات بشلل شبه تام . كان المشهد داخل القطار العالق مقرفا ومحزنا ومؤسفا في آن واحد. لاسيما بعد أن تتابع عن قرب وبطريقة مباشرة معاناة المسافرين كان وضعهم يشبه الى حد كبير وضع العصافير داخل الأقفاص.

أطفال خرجوا عن سيطرة أوليائهم من الجوع وطول الانتظار، شباب لم يستطع الالتحاق بدروسه في الجامعات اوبعمله في مختلف المؤسسات، كانوا يمشون ذهابا وايابا بين القاطرات المتوقفة ، وتارة ينزلون درجات القطار وطورا يصعدونها في حركة هستيرية غاضبة تشي بنفاد الصبر ، عجائز ومرضى ارهقهم طول الانتظار وكثير منهم متجهون للعلاج في مستشفيات العاصمة لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بعد ان قبعوا داخل هذا القطار لوقت طويل دون أن يدركوا وجهتهم.

هذه الوضعية التي للأسف تتكرر كل خريف وشتاء أقل ما يقال عنها إنها أصبحت غير مقبولة وهي مهينة للذات وللكرامة البشرية. لكن من المضحكات المبكيات أن القطار المتوقف هو نفسه قد شهد منذ انطلاق رحلته اصرارا غير مسبوق من قاطع التذاكر ودون أي مراعاة لبعض الحالات الاجتماعية على ان يستخلص ثمن التذاكر من جميع الركاب حسب القسم الذي يركبونه. كما فرض على أصحاب تذاكر الدرجة الثانية أن ينسحبوا من قاطرة الدرجة الأولى ويواصلوا رحلتهم وقوفا في الدرجة الثانية المزدحمة، أو دفع الفارق المالي بين الدرجتين.

الى هنا هو لم يجانب قاطع التذاكر الصواب وما قام به عين العقل ولا نملك إلا أن نشد على اياديه لحرصه على مصلحة الشركة التي يعمل لديها وعلى مواردها ولحرصه كذلك على تطبيق القانون على الجميع. لكنه حين تمّت مواجهته بحالة رفض من جميع الركاب بعدم دفع الفارق في الثمن بين الدرجة الاولى والثانية باعتبار أن الكراسي فارغة في الدرجة الأولى وكل الأماكن محجوزة في الدرجة الثانية ولا ضير من الجلوس في الأولى طالما الإمكانية متوفرة، عندها تم ايقاف القطار ما يقارب النصف ساعة أو أكثر. وتمت مساندة قاطع التذاكر باعوان مراقبة آخرين واعوان امن فرضوا على الجميع الدفع أو المغادرة. ورغم أن هذا محمود في نظر البعض ويمكن ان يكون خطوة خطوة أولى من أجل القطع مع حالة الفوضى في القطارات ووسائل النقل وفي الإدارات وفي كل وجوه الحياة عموما بعد ان خرجت كل الأمور في البلاد عن السيطرة نتيجة التسيب بمختلف اشكاله ونتيجة التراخي في تطبيق القانون، لكن في مقابل ذلك يجب التأكيد على ان المواطن ومثلما هو مطالب بالقيام بواجباته،من حقه ايضا ان يتمتع بحقوقه كاملة ومن أبسطها حقه في حياة تحفظ له كرامته وحقه في كل المرافق الضرورية التي تساعده على ان يحيا حياة كريمة ،وحقه في نقل عمومي وفي صحة وتعليم تتوفر كلها على متطلبات الجودة.

وما حدث في رحلة القطار صباح الاثنين لا يعدو ان يكون مجرد عينة بسيطة من المعاناة اليومية المتواصلة التي يعانيها المواطن البسيط في تنقلاته إلى عمله أو دراسته أو علاجه في ظل بنية تحتية مهترئة وتدهور لكل المرافق الحياتية والضرورية في تونس لم يتم تجديدها أو تهيئتها لتصبح قادرة على استيعاب مختلف المستجدات . اذ بمجرد هطول كميات بسيطة من الامطار تغرق البلاد بأكملها في المياه والاوحال ويتعطل كل شيء وتصاب كل المرافق بالشلل.

واذا اردنا تشخيص الاسباب الحقيقية لهذا نجد أنها ناتجة اساسا عن الفساد وتوجيه الموارد الى غير مكانها وعن التسيب اللامتناهي وإهدار المال العمومي الذي يذهب إلى جيوب الفاسدين والمافيات عوض توجيهه الى مشاريع تحسين البنية التحتية وتهيئة البلاد لمواجهة كل التحديات القادمة. صار من الأكيد على الطبقة السياسية الجديدة أن تنظر بجد إلى هذا التدهور الحاصل في مختلف أوجه حياة التونسيين. وأن تواجه مختلف التحديات الجديدة وتعالج كل الاخلالات والتجاوزات التي تجعل حياتهم صعبة صار من الأكيد ايضا أن تتحرك جميع الاطراف وتتكاتف كل الجهود من اجل تفعيل مختلف الاستراتيجيات والخطط والبرامج المركونة في الرفوف والمكاتب لجعل تحسين البنية التحتية للبلاد اولوية قصوى من بين أولويات أخرى. ولا ضير في ذلك من تطبيق القانون وفرض احترامه على الجميع وترشيد الموارد ومتابعتها ومحاسبة الفاسدين. فبغير ذلك لا يمكن ان يصلح حال هذه البلاد وسيأتي التدهور والتراجع على ما تبقى من مكاسب التونسيين.