الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تونس في مفترق طُرق وانعطافة حادّة:

نحتاج مبادرة شجاعة ورجالات يتحمّلون المسؤولية


بقلم: محمد بوعود

في خضمّ الزمن الانتخابي الذي طال هذه المرة أكثر من سابقاتها، وفي خضمّ النتائج الاولية للانتخابات التشريعية، وما افرزه الصندوق من خيارات متنوعة ومفاجئة في الكثير من جوانبها، وكذلك في خضمّ الفراغات الحاصلة والخشية من فراغات قادمة، تبدو الساحة الوطنية في حاجة ماسّة الى مبادرة شجاعة، تخرج عن سياقات المألوف، وتجترح حلولا في مستوى المخاطر التي يعيشها الوطن، وتُقدم على خطوات قد لا ترضي البعض وقد يعتبرها آخرون من خارج ارادة الشعب، وقد يهب البعض الاخر حتى الى معاداتها والوقوف في وجهها، لكنها ضرورية، وفي زمانها تحديدا، وقد يندم الجميع ان فوّتنا الفرصة بدون أن نقدم ما من شأنه أن ينقذ البلاد من الدرب الحالية التي تسير فيها، والتي قد يزيّن البعض للناس انها الدرب الصحيحة باعتبارها اختيارات الشعب وأحكام الصندوق، لكن واقع الحال ان الدول تحتاج الى أكثر من ذلك بكثير، ولا تعيش ولا تستمر ولا تنهض بالشعارات فقط.

فالبلاد اليوم مُقدمة على عُهدة جديدة ومرحلة مختلفة، هذا صحيح، لكن ماهية هذه العُهدة وملامحها، وخصوصا الأرضية التي يجب أن تُهيّأ لها، هي بذات الأهمية ان لم يكن بأكثر أهمية من النتائج التي أوصلت الى هذه العُهدة.

فليس صحيحا أن الأمور ستكون سهلة وبسيطة، وان من وقع انتخابه من الشعب سيحكم، وستسير الأمور على أحسن ما يُرام، وان الانتخابات جرت في أجواء نزيهة وشفافة كما تقول هيئة الانتخابات في تقاريرها، أو كما يقول المنتصرون في بلاغاتهم.

بل بالعكس فان الخارطة السياسية قد ازدادت غموضا وتداخلا، ولم يعد بإمكان الفاعلين السياسيين ان يحددوا من سيحكم ولا بمن سيحكم ولا كيف سيحكم، وما هي التحالفات القابلة للصياغة فورا وما هي النتائج المترتبة عن تلك التحالفات التي ستجري اضطراريا بين اطراف غير متجانسة، ولا عن الصفقات التي يجري عقدها تحت الطاولة وفي المكاتب المغلقة، خاصة وان الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية لم يبق عليه الا ساعات معدودات، وبالتالي سيتوجه كل الجهد الان نحو موعد الاحد 13 أكتوبر، لان فيه سيتقرر مصير الحكومة نفسها، والحكم ككل.

فالذاهب الى قرطاج لن يكون بالضرورة في توافق تام مع الحزب الفائز، وهو ما يعني ان كتاب التكليف الذي سيُمنح للحزب الفائز ستكون له انعكاسات مباشرة على ما يقع التوافق عليه مع رئيس الجمهورية المنتخب، وفيه أيضا اشتراطات قد لا نعرفها في سياق الامن القومي والظروف الاقليمية والرهانات الدولية المطروحة على أمن المنطقة، اي ان الحكومة القادمة يجب ان تكون في حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، حتى لا نقع منذ اليوم الاول في مطبات عدم التفاهم والصدام بين السلطات.

اضافة الى ان المشهد الانتخابي الذي يؤثث لهذه العُهدة الجديدة، بات بصراحة غير نقيّ، ومشكوك في بعض تفاصيله وحتى في بعض آليات اشتغاله، خاصة مع تواصل هذا الصمت المطبق الذي تمارسه الهيئة المستقلة للانتخابات، وتركها الباب مواربا لدخول الاشاعات وانتشار الاقاويل والتفسيرات، خاصة وانها أظهرت نوعا من العجز والشلل أمام قوى سياسية قادرة وغنية ونافذة، مارست كثيرا من البلطجة وشراء الذمم وحتى العنف أحيانا، دون ان تحرك الهيئة ساكنا.

اضافة الى ان الهيئة اختارت ان تسلك الطريق الأسلم بالنسبة لوضعها العام ولأوضاع أعضائها الذين لم يعد خافيا كيف صعدوا الى تلك الهيئة وما هي الشروط التي صعدوا وفقها، اختارت ان تلقي بكل العبء الانتخابي، من تجاوزات وخروقات ومن تلاعب ومن تزييف لارادة الناخبين، على كاهل القضاء، وأحالت مئات القضايا دفعة واحدة على القضاء، في حين تعرف جيدا انها تتمتع بالاهلية القانونية والدستورية للتصرف واخذ المواقف وتطبيق الإجراءات دون حتى الرجوع إلى القضاء إلا في الجرائم الخطيرة التي تهدد نتائج الانتخابات ككل، أو في صورة العجز عن إيجاد الحل المناسب.

مسألة أخرى لا تقل أهمية عما سلف، وهي مسألة التجييش الذي تمارسه بعض الجماعات ضد الخصوم وضد الإعلاميين وضد اتحاد الشغل والمنظمات الوطنية وكل من يخالفهم الرأي، ومحاولة خلق رأي عام معاد للجميع، وتهيئة البلاد ربما لدورات عنف لن يستفيد منها احد وسيخسر فيها الجميع.

هذا الاحتقان يستوجب بالضرورة من الجميع ان يتعقلوا وان لا ينقادوا للشعارات الفضفاضة، وان يتثبّتوا تحديدا اين المصلحة العليا للبلاد، وان لا يتجهوا الى وجهة غيرها.

كما يستوجب من الجميع أيضا الجلوس إلى طاولة الحوار، والبحث في كل الاحتمالات، وتقديم ما يمكن، كل من ناحيته وبما يقدر عليه، من أفكار واقتراحات حتى يتمكن التونسيون من تجاوز هذه العقبة، وحتى يكون البناء للعُهدة الجديدة، على أسس صلبة وليس فقط على نتائج صندوق قد تتغير بين لحظة وأخرى، وقد لا تكون بالضرورة دائما صائبة.