الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



النتائج الكارثية للتشريعية تلقي بظلالها على الدور الثاني للرئاسية

«الإصبع الأزرق» قد يكون في «العين مباشرة» هذه المرّة..!!


بقلم:لطفي العربي السنوسي

أنهت تونس ملف الانتخابات التشريعية وخرجت منها محبطة وقد خذلها أكثر من ستين بالمائة من نسائها ورجالها ممن اختاروا معاقبة منظومة الحكم بأن قاطعوا عملية الاقتراع فارتدّت المعاقبة وتحولت الى عقوبة قاسية سترافق البلاد على امتداد السنوات الخمس للعهدة النيابية الجديدة...

عهدة - وأي عهدة - فلا عهد ولا مواثيق فيها وقد تم الدفع اليها بـ «النطيحة والعرجاء» والسفيه والمهربين وشخصيات عليهم وفوقهم وتحتهم وبجوارهم شبهات فساد كبرى اضافة الى أئمة - بلا إمامة - ودعاة بلا دعوة من عتاة الجماعات السلفية ممن كانوا صوت التكفير للتونسيين وقد سبق لهم أن استباحوا الدماء من على منابر الاخوان وهم من عرابي المؤتمر السلفي الأول الذي انعقد بتونس والمؤتمر السلفي الثاني الذي انعقد بالقيروان في تلك السنوات الهمجية من حكم الاخوان...

كانت الطموحات والاحلام والأمنيات أكبر من هذا الانتاج المشوّه لمجلس هجين... كان المطمح وبعد مرور تسع سنوات على «الثورة تلك»... وبعد خيبات الحكم الذي رافقته حركة الاخوان وامتدت معه وتوسعت (ولم تغادره منذ سنة 2011 وهي مستمرّة فيه الى الآن)... أن يكون المشهد النيابي الجديد مشهد سياسات بمقاربات وحساسيات فكرية مختلفة وان يكون برلمان أفكار وبرامج فيه تمثيلية لرجال الفكر والثقافة والاقتصاد ولممثلين عن العمال والفلاحين ومتكلمين باسم المهمشين في الآفاق التونسية... الا أن الخيبة و«الإصبع الازرق» الذي عرض نفسه وباع ذمته بثمن بخس زائد المقاطعة العشوائية غير المدركة لخطورة غيابها دفعت الى المجلس الجديد بممثلين عن المهربين واللصوص وتجار المخدرات من ذوي السير المسجلة خطرة لدى السلط الأمنية وقد تحصنت الآن... بحصانة برلمانية أعلى من القانون وفوقه... ونستثني - هنا - بعض الاسماء من النواب المحترمين ويمثلون أقلية لا تكاد ترى بلا حول ولا قوة أمام «امبراطورية المال الفاسد» التي حلّت بـ «المجلس النيابي» المطالب - موضوعيا - بمقاومة الفساد والتهريب وتجريمه...!؟.

قرابة المليون امرأة غِبْنَ عن الانتخابات التشريعية بدعوى المقاطعة العقابية وكان لهذا الغياب ارتداد عميق ومؤثر انتج في الاخير مشهدا برلمانيا كارثيا... رحم الله الشاعر أولاد أحمد وهو القائل «نساء بلادي نساء ونصف»... فلو عاش الى حين التشريعية لكان «هجا النساء والنصف».

أُغلق ملف التشريعية... وكما كان للرئاسية في دورها الأول تأثير على نتائجها فإن لنتائج التشريعية والتي وصفناها بالكارثية تأثيرا أيضا على الرئاسية في دورها الثاني المقرر ليوم الأحد 13 أكتوبر 2019 وهي مقدمة للسنوات الخمس القادمة بما يعني اننا ازاء انتخابات في علاقة جوهرية بمصير بلد ومستقبل أجيال وازاء مرحلة برهانات كبرى في علاقة بالتزامات دولية اضافة الى القضايا والمشاغل الوطنية بما في ذلك مشاغل الناس اليومية وارزاقهم ومستقبل ابنائهم وبالتالي فإننا نؤكد بانه لم يعد ثمّة معنى للحياد السلبي الذي يخشى التحرك على الأراضي القريبة من المتنافسين على الرئاسية حتى لا يعلق... ولا معنى للحياد الذي يختفي وراء اللغة الباردة حتى لا يعلن عن موقف صريح... فالحياد - احيانا - قد يتحول الى «جريمة» وشكلا من أشكال التواطؤ مع المفاسد وبالتالي وباعتبار حساسية وخطورة المرحلة وعودة المتآمرين عليها من «أبواب التشريعية» وباعتبار ما نحن مقبلون عليه يوم الأحد في الدور الثاني والنهائي للانتخابات الرئاسية فإنه من المفترض ان نكون أكثر وضوحا تجاه المرشحين قيس سعيد ونبيل القروي وقد اختارا الصمت - نهائيا -... أحدهما مرغما (أي القروي وقد غادر سجنه مساء أمس) والثاني اختار الصمت تكتيكيا...

أولا نحن أمام ظاهرة فريدة من نوعها شكلا وموضوعا...مرشح سجين تمّ الإفراج عنه وكان موقوفا على ذمة التحقيق بشبهة تبييض أموال تعود الى سنة 2016 تاريخ تقديم منظمة أنا يقظ ملفا إلى وكيل الجمهورية في علاقة بقناة نسمة ليتم ايقافه وايداعه السجن قبل عشرة أيام من انطلاق الحملة الانتخابية للرئاسية في دورها الأول وتحديدا في الفترة التي تقدم فيها نبيل القروي وحزبه الى المراتب الأولى في نوايا التصويت والكل يعلم أن قرار توقيفه مشتبك بقرار سياسي عدواني وقد تعنتت «دولة القضاة» وأصرّت على الابقاء على القروي في سجنه رغم الدعوات التي وجهها لها رئيس الجمهورية وهيئة الانتخابات واتحاد الشغل وعدد من المنظمات الوطنية حتى تطلق سراح الرجل ولو مؤقتا خاصة بعد مروره الى الدور الثاني حتى يتمكن من ادارة حملته الانتخابية بما يحقق سلامة العملية الانتخابية ومبدؤها تكافؤ الفرص بين المتنافسين الا أن «دولة القضاة» لم تنصت إلى أحد بل زادت في تقوية مفاتيح الاغلاق على «سجينها» لتفرج عنه مساء أمس وقد نجح حزبه «قلب تونس» في انتزاع المرتبة الثانية في التشريعية وما تزال حظوظه قوية في الرئاسية رغم غيابه على أرض الحملة وهو الغياب الذي ملأته زوجته سلمى السماوي والتي تقوم مقامه في الحملة متكلّمة باسمه وعلى لسانه نيابة عنه (وهي نيابة أقوى في الأصل وأكثر تكثيفا وتأثيرا لو يدري سجّانه...!؟) والقول بأنّ نبيل القروي هو مرشح صامت غير صحيح ـ في الواقع ـ بما أنّ التونسيين يعرفون الرجل من المنافذ التي تسرّب منها الى العمل السياسي وهي أساسا جمعية خليل الخيرية والتي تروّج لأعمالها قناة «نسمة» وهو في الأخير شخصية عامّة لها ما يدل عليها اضافة الى أنّ حزبه بصدد الترويج لبرنامجه الرئاسي...

مقابل ذلك نجد شخصية السيد قيس سعيد مرشح اختار ـ بدوره ـ أن يكون صامتا.. نسمع عنه ولم نسمع منه ما يدل عليه وما يرشّحه ليكون رجل دولة يمكن للجمهورية أن تعوّل عليه وعلى عبقريته.. لقد عرفته تونس بعد الثورة كمتكلّم في القانون الدستوري مثله مثل عديد الوجوه المماثلة التي تقدمت الى «ساحة الثورة» كظواهر صوتية... لم نعرف عن الرجل مواقف أو نضالات سابقة لا قبل الثورة ولا بعدها ما عدا اطلالات تلفزيونية سريعة... لم ينخرط في جدل فكري أو مجتمعي ولم يخض جدلا حول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها تونس ولا هو انخرط في معارك مبدئية عندما هتك الاخوان عرض البلاد وأهلها وسترها في تلك الفترة التي استبيح فيها دم التونسيين وكل ما نعرفه عنه علاقاته الوطيدة «بثوار الحماسة الأولى» قبل أن يجتمعوا في روابط اجرامية وهم الآن أنصاره ومريدوه وعلى رأسهم ائتلاف الكرامة الذي أعلن دعمه لقيس سعيد في الرئاسية تماما كحركة الاخوان التي أعلنت ـ بدورها ـ تبنيه ودعمه في الدور الثاني للرئاسية... وكما هو بيّن فإنّ الأراضي والدوائر التي يتحرك عليها قيس سعيد ويطمئن اليها هي ذات الدوائر التي تتحرك عليها وتطمئن لها حركة الاخوان والجماعات السلفية وثوار «الحماسة الأولى» العائدين لتوّهم من «باب التشريعية» ولست ـ هنا ـ بصدد رجم الرجل بما ليس فيه وانما بصدد تثبيت ما لم ينكره عن نفسه وما لم ينفه وما لم يسع لنفيه وقد لاذ بالصمت بل ازداد صمتا وحوّله الى آلية استراتيجية لتجنب كل أشكال الاحراج الاعلامي حيث قرّر عدم الادلاء بأي حوار صحفي بدعوى تحقيق مبدإ التكافؤ مع منافسه «السجين» المرغم على الصمت... وهذه ـ في الواقع ـ خديعة «صبيانية» غير مقبولة بما أنّ التونسيين ينتظرون منه أن يتكلّم حتى يروه بوضوح وحتى يردّ عن نفسه ما علق به من غموض وقد سقط هذا التكتيك بعدما تمّ الإفراج عن القروي وبالتّالي فإنّ سعيّد مطالب بالكلام حتّى نراه.

نختم بالقول نحن اليوم أمام مرشحين للرئاسية في دور ثان وأخير أحدهما «صامت» رغما عنه والثاني اختار الصمت التكتيكي حتى لا يكشف عن نفسه وبالتالي فعلى التونسيين الناخبين أن يتريّثوا وأن لا يستعجلوا «تغميس» اصبعهم في الحبر الأزرق فقد يكون في «العين» مباشرة هذه المرّة... وما حدث في التشريعية من المفترض ألاّ يتكرّر في الرئاسية...

فاختلاط سكان باردو الجدد بمريدهم في قرطاج قد يهزّنا الى مآلات كارثية...