الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



لا مناظرات ولا حملات استعراضية...

تونس تعوّل على وعي مواطنيها...



بقلم:لطفي العربي السنوسي

ثمانية وأربعون ساعة  تقريبا  تفصلنا عن يوم الصمت الانتخابي المقرر ليوم السبت 14 سبتمبر وبعده مباشرة يكون يوم الأحد مفصليا ينهي مسارا استثنائيا حوّل البلاد التونسية الى أنموذج فريد تصدّر الصفحات الأولى للاعلام الدولي الذي نوّه بالتجربة ومسارها الذي تجاوز تعثر البدايات.

يوم الأحد 15 سبتمبر 2019 يفصح «الغربال» عن المرشحين الاثنين المتقدمين للدور الثاني وهو الدور الذي سيكون فيه التونسيون أمام اختيارات تحديد المصير وملامح السنوات الخمس القادمة... نحن - في الواقع - ازاء مسار انتخابي مدهش لم يكشف بعد عن كل مفاجآته يتحرك بصعوبة على أرض ملغمّة بسبب الفراغات القانونية والتشريعية ومن حوله معضلة كبرى تتمثل في غياب المحكمة الدستورية التي تعطل تأسيسها بسبب تجاذبات حزبية حادّة داخل المجلس النيابي الذي انفض وانتهت عهدته أو تكاد دون ان يتوصل الى ارساء المحكمة الدستورية التي تعتبر الحصن الحصين ضد كل الاخلالات القانونية وهي الفيصل في كل ما يعترض المسار الانتخابي من اشكالات قانونية لم يحسم فيها الدستور ولا القانون الانتخابي من مثل وجود مرشح في السجن ومرشّح ثان مقيم في فرنسا صادرة في شأنه بطاقة جلب... حالتان نادرتان بلا مثيل في أعرق الديمقراطيات وقد تعاطت معهما الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كأمر واقع باعتبار صمت القانون الانتخابي وكذلك الدستور عن مثل هذه الوضعيات النادرة.

ومن العناصر الأكثر فرادة ضمن هذا المسار الانتخابي الذي ميّز التجربة التونسية ولفت اليها انتباه الصحافة الدولية المناظرة الرئاسية التلفزية المباشرة التي حضرها المترشحون وقد توزعوا على ثلاث حلقات تابعها حوالي ثلاثة ملايين تونسي ما يعكس حجم انتظارات الناخبين وجدية عزمهم على اختيار مرشحهم ويعكس أيضا حجم «الرهان» بسعي الناخبين الى معرفة المرشحين غير المتداولين اعلاميا ولا معطيات لدى التونسيين عنهم...

لقد استأثرت المناظرات الرئاسية باهتمام الرأي العام الوطني والدولي وكانت الحدث الأبرز منذ انطلاق المسار الانتخابي وقد زادت في تصعيد وتيرته وفي شحذها...

وككل البدايات فإن المناظرة التلفزية قد شهدت ما أفقدها عنصري الجدية والاثارة بل هي لم تكن في مستوى انتظارات الرأي العام بحيث لم تحقق مبدأ التناظر بين المترشحين بقدر ما كانت - شكلا ومضمونا - لكأنها مسابقة في «حصة ألعاب» برهانات مالية كبرى وهي أقرب الى الاختبار الشفاهي للانتداب في وظائف عليا انتهت - في الأخير - ولا ندري حقيقة مدى تأثيرها على وعي الناخبين واختياراتهم خاصة وأنها لم تستعرض مقاربات وأفكار وبرامج وانما اعتمدت على آلية «السين - جيم» أي سؤال سريع ومكثف مقابل جواب سريع ومكثّف لا يعكس أو هو لا يمكن ان يكشف الحقيقة المعرفية والفكرية والثقافية والسياسية لدى المترشح ومدى إلمامه بصلاحيات الرئيس أولا وبالقضايا العامة التي تهم التونسيين والقضايا الاستراتيجية التي تهم الأمن القومي والسياسة الخارجية...

خلاصة القول نجزم أن هذه المناظرات وعلى أهميتها فإنها لن يكون لها وقع عميق على الناخبين ولن تساهم في توجيههم أو في ترجيح كفة مرشح على آخر ولن تكون آلية فرز باعتبار أن «البضاعة» التي استعرضها المترشحون كانت متشابهة ولا اختلاف فيها وقد اختار جلهم مغازلة «الناخب» لافتكاك صوته عبر «اجابات» لم يكن لها من مسعى غير ارضاء هذا الناخب (أي الاجابة بما يرضيه) حتى وان كانت هذه الاجابة لا تعكس رؤية المترشح ومقاربته للقضايا المطروحة... اضافة الى أن الاسئلة بكل محاورها كانت مجرد عناوين لقضايا عامة أي أنها لم تذهب الى ذاك «السؤال» القصووي الذي من شأنه أن يدفع «الرئيس» الى كشف ما يتكتم عليه وما يخفيه وما يحرجه أمام الناخبين من ذلك - مثلا - تغييب الاسئلة المتعلقة بالاغتيالات السياسية والتعيينات القائمة على المحاصصة الحزبية في السفارات والقنصليات والتي دمرت الديبلوماسية التونسية وأفرغتها من الادوار المنذورة اليها اضافة الى أسئلة أخرى تم تغييبها مقابل الاسئلة العامة والتي نسميها أسئلة «التعويم المفرط» وأسئلة «المقاس»...!!

ولئن كانت لهذه المناظرات من مزية ايجابية فإنها ولا شك تلك المتعلقة بـ «القداسة» المحيطة عادة بـ«الرئيس» وهو ما عبر عنه صديقنا محمد الجويلي أستاذ علم الاجتماع بقوله، «تضع المناظرة مكانة الرئيس موضع تساؤل وامتحان وهذا من شأنه أن ينزع عنه صفة القداسة وصورة الرئيس الذي لا يخطئ مثلما هي موجودة في بيئتنا العربية الاسلامية وذهنيتا السياسية... لذلك تضع هذه المناظرات الرئيس في موضع سخرية عندما لا يجيب بشكل جيد ما كسّر العلاقة بين السلطة المطلقة والحقيقة المطلقة...»

ثمانية وأربعون ساعة  - تقريبا - تفصلنا عن يوم الصمت الانتخابي يليه الموعد المفصلي وسط غموض تام يشوش على اختيارات الناخبين أمام ستة وعشرين «مرشحا» متشابهين في خطابهم وفي وعودهم ويكمن التفاوت بينهم في الشكل أي في مستوى حملاتهم الاستعراضية التي تغذى بعضها من امكانيات الدولة ومن تأجير الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي اضافة الى هذا الاصطفاف المشين لطوابير من الصحفيين التلفزيونيين وراء «مرشحهم» وقد حولوا تلفزاتهم الى بوق دعاية مفضوحة أمام صمت المؤسسات الرقابية بما في ذلك الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وهيئة الاتصال السمعي البصري ولم تتمكنا - للأسف - من ايقاف هذه الخروقات الكبرى التي شوّهت في الواقع المسار الانتخابي وانحطت به مهنيا وأخلاقيا...

في الأخير نشير الى أنه لا خوف على صناديق الاقتراع من التدليس والتزييف ولا يمكن لأي كان ان يشكّك في ما ستفرزه من نتائج ومن حولها الجيش الوطني الذي تعوّل تونس على نزاهته وحياده لضمان نزاهة العملية الانتخابية اضافة الى منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي هيّأ الآلاف من المراقبين المتطوعين اضافة الى الآليات الرقابية التي وضعتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وفوق هذا وبجواره فإن تونس تعوّل على وعي مواطنيها وانتباههم والمطالبين باليقظة والابلاغ عن كل ما من شأنه أن يشوّه تاريخ الأحد 15 سبتمبر 2019...