الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



على بُعد سُويعات من الصّمت الانتخابي:

الفرز الصعب أمام خطاب و وجوه متشابهة


بقلم: محمد بوعود

لم يتبقّ من الحملة الانتخابية الرئاسية للاستحقاق السابق لأوانه، سوى يومين فقط، ويصمت بعدها المترشحون وأنصارهم وأعضاء حملاتهم وطواقمهم الاعلامية التي جابت البلاد طولا وعرضا، وبثّت طيلة أيام كمّا هائلا من الوعود الانتخابية، ونشرت خطابات مختلفة، لمترشحين مختلفين في الانتماءات والتوجهات والبرامج والاهداف وحتى في الجُمل والمصطلحات.

وبعد هذا الماراطون الخطابي، يمكن أن نتساءل عن المتبقّي منه في أذهان الناس، وما رسخ في مخيّلتهم من المترشحين الذين زاروهم ومن الكلمات التي قالوها والوعود التي أطلقوها، وحتى من لم يزرهم المترشحون او من لم يتصادف وتقابلوا معهم، فقد أُشبعوا حدّ التّخمة بخطاب انتخابي/سياسي طيلة الايام والليالي الفارطة، سواء في حوارات القنوات الخاصة التي اشتغلت طيلة ساعات النهار والليل على استضافة كل المترشحين تقريبا، وفي كل القنوات بدون استثناء، أو كذلك من خلال السهرات الثلاث للمناظرة الجماعية التي أجرتها التلفزة الوطنية وبثتها كل وسائل الاعلام تقريبا.

والسؤال هنا، هل يمكن الحديث عن خطاب سياسي/انتخابي، رسخ في أذهان المواطن الذي سيذهب يوم الخامس عشر من سبتمبر ليضع ورقة في الصندوق يختار فيها من يثق في أنه سيكون الرئيس المناسب للجمهورية؟

الجواب بالتأكيد هو بنعم ولا في نفس الوقت، فهذا الخطاب تنوّع وتكثّف الى درجة أن أصبح تُخمة خطابية يصعب الفرز في ما بينها، وانتقاء الأصوب والاصدق والاقرب الى الواقع.

ويمكن ملاحظة أو رصد ستة انواع من الخطاب:

*خطاب واقعي، حاول المترشحون الذين يروجونه أن يقتربوا أكثر من حقيقة أن منصبهم القادم، إن أتى، ذو صلاحيات محدودة، وليس الفاعل الرئيسي في الحياة الوطنية العامة، وحاولوا أن يقولوا للمواطن أنهم لا يستبقون الوعود كثيرا، وانهم ان نجحوا سيفعلون ما بوسعهم، في حدود امكاناتهم وما يسمح به الدستور والقوانين، وانهم لا يريدون أن يبلّطوا البحر او يفتحوا خزائن الجنان.

*خطاب براغماتي، حاول فيه المترشحون أن يستعرضوا عضلات أفعال حتى لم يقوموا بها، ونسبوها الى أنفسهم، وانجازات عادية وبرامج قديمة ونجاحات حققتها حكومات اخرى، لكنهم تبنّوها واعتبروها انجازاتهم، وحاولوا تسويقها في نطاق خطاب القوة والنجاح والفعل، بل واعتبروا أن لا نظير لهم في ميدان النجاحات، وأن الفشل السابق هو من صنع غيرهم، وان انتخابهم مرة أخرى سيكون له الاثر الكبير في النهوض بالبلاد، رغم أنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن هذا الخطاب لم يعد مقبولا عند أناس جرّبت الفشل وعرفت معنى عدم الكفاءة والفساد والمحسوبية.

*خطاب نرجسي، حالم، بعيد المدى، حاول أن يبني لنفسه أو بالأحرى لقائله، هالة من الإلمام بكل شيء في العلاقات الدولية، وبالمعارف المختلفة، والعلاقات المتشعّبة، وأعطى انطباعا بأن بعض المترشحين هم القلة القليلة التي تعرف مصلحة تونس وهم الوحيدون العالمون بأسرار العالم والإقليم وتشابك السياسات الدولية، وهو ما يمكن أن يثير إعجاب وانبهار البعض، لكنه بالتأكيد لن يكون مقنعا إلى درجة التصويت له أو الى درجة تبنّيه والدفاع عنه.

*خطاب شعبوي، سقط في تكرار نفس مقولات المساعدة الاجتماعية ومنح البطالة وتشغيل آلاف العاطلين، والزواج المجاني والنقل المجاني والاستشفاء المجاني، وغيرها من الوعود الخيالية التي لا يصدقها لا الذي يسمعها ولا حتى الذي يقولها نفسه، وهو خطاب أثبت فشله في المرات السابقة، لكن بعض المرشحين يصرّون على تكراره وبطريقة فجّة وممجوجة ولم تعد تنطلي على أحد.

*خطاب إقصائي، روّج قائلوه إلى عملية نفي للآخر، وعقلية استئصال لم تستطع السنوات التسع من الثورة أن تمحوها أو على الأقل أن تحدّ منها وتخفي بعضا من تجلياتها، وهو خطاب يبقى محصورا في فئة قليلة من المجتمع، خاصة بين أولئك الذين يرفضون ان يعترفوا بان الزمن تغيّر، وان العقليات تطورت، وان البلاد فعلا تعيش تجربة انتقال ديمقراطي.

*خطاب متشنّج، أصر مردّدوه على رمي كل سيئات البلاد وهزائمها على المستعمر، وركّزوا على مسألة الثروات الوهمية والحلول السحرية، وتنادوا لمعاداة الآخر الأجنبي، وفتح حروب لا طائل من ورائها، وهو خطاب قد يقنع القلّة القليلة الملتفة حولهم بطبيعتها من الثورجيين والمغامرين، لكنه بالتأكيد لن يقنع المواطنين العاديين، الناخبين.

ولعل هذه اللمحة عن محاولة التصنيف داخل الخطاب، قد تلقي نظرة على مختلف أقسام الخطاب الذي استمعنا اليه طيلة الايام الفارطة، ومحاولة استقراء ما يمكن أن يرسخ منه في ذهن الناخبين، وما قد ذرته الرياح واندثر بمجرد البوح به.