الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عرّت زيف وعود الساسة والحكام

أمطار طوفانية «تشلّ» العاصمة


الصحافة اليوم :سميحة الهلالي

شُلّت الحركة في البلاد وحوصر العديد من المواطنين لساعات في الشوارع والأبنية والمقاهي ومحطّات النقل بمختلف أنواعها...الامطار الطوفانية باغتت الجميع برغم تحذيرات خبراء الرصد الجوي .. البلاد تغرق بسيول جارفة من المياه التي أضاف لونها طعما آخر للمأساة ووجها بشعا لإنجازات الدولة الحديثة .. فالمشهد ليس بالجديد .. وتعاطي السلط مع هذه الكوارث أصبح مألوفا بل ممجوجا لدى القاصي والداني ..وما تعيشه بلادنا اليوم شبيه بما عاشته لسنوات خلت وتاريخ بلادنا المعاصر يشهد أن الفيضانات اجتاحت عدة مناطق على غرار الفيضانات التي شهدتها مدينة قابس ومنطقة الجريد وبالخصوص توزر ونفطة وذلك تحديدًا سنة 1962، والتي أدت إلى وفاة 50 شخصًا وتم تسجيل 7000 متضرّر وقد حدث هذا بعد ثلاث سنوات من فيضانات كانت قد شهدتها مناطق الساحل والقيروان وقابس سنة 1959والتي وإن لم تخلّف حينها خسائر بشرية فإنّها خلفت خسائر مادية كبيرة بلغت قيمتها حينها 2 مليون دينار.

ومن أكثر الفيضانات دمارًا وشدّة في تاريخ البلاد نذكر فيضانات 1990 التي شهدتها مناطق الوسط وتحديدا سيدي بوزيد والتي أدت إلى تسجيل 60 حالة وفاة على الأقل وخسائر مادية ضخمة بعد تضرر 58 في المائة من المساحات الزراعية. كما عرفت ولاية تطاوين ايضا فيضانات عارمة إثر أمطار غزيرة سنة 1995ما أدى حينها إلى وفاة 20 شخصًا على الأقل، مع تسجيل خسائر مادية ايضا. كما عرفت تونس الكبرى سنة 2003 فاجعة تاريخية تلك التي أدت إلى وفاة 4 أشخاص اثر فيضانات عمّت الارجاء إضافة إلى خسائر مادية فادحة.ثم كانت في 2007 حين تضررت منطقة تونس الكبرى وتحديدًا منطقة سبالة بن عمار وقد خلفت 19 حالة وفاة إضافة إلى خسائر مادية كبرى . كما شهدت منطقة الرديف من ولاية قفصة فيضانات سنة 2009 أدت إلى وفاة 17 شخصًا على الأقل مع خسائر مادية كبيرة.

كما عاشت مدن قابس وصفاقس والمهدية وغيرها من المدن الاخرى نفس الكارثة وإن كانت بدرجات متفاوتة في الحدّة والخسائر و دون أن ننسى فيضانات 2015 بولاية جندوبة وولاية نابل والتي أدت إلى وفاة 6 أشخاص مع خسائر مادية فادحة شملت الممتلكات العامة والخاصة.

وتجدر الاشارة الى ان ولاية نابل عرفت فيضانات قبل ما يزيد عن 30 سنة وهي فيضانات 1986، التي تسببت حينها في وفاة 7 أشخاص على الأقل ...هذا غيض من فيض .. وعلى سبيل الذكر لا الحصر للتدلال والاستدلال على ان هذه الكوارث الطبيعية ليست مستجدّة ولا طارئة ..وأنّها ليست عابرة ولا استثنائية .. بل هي ظواهر تجد لها تاريخا وتأثيرا في بلادنا منذ قديم الأزمنة غير أن حكّامنا لم يتعاملوا معها كمهدّد حقيقي للأفراد والمنشآت والممتلكات الخاصة والعامة ..بل نراهم يعتمدون سياسة النعام في التعامل معها.. أو في أحسن الاحوال يبحثون عن حلول ترقيعية وتلفيقية لا ترقى إلى أن تكون ضمن خطة استراتيجية محكمة لمجابهتها أو على الاقل للحد من خطورة نتائجها.

الملاحظ أنّه عند حدوث المكروه يتحرك القائمون على شؤون الدولة مطلقين وعودا هي في مجملها كاذبة بان لن تتكرر مثل هذه المآسي وتراهم يقدّمون الحلول العاجلة والملائمة للظرف والقادرة على الهاء المنكوبين ودفعهم دفعا الى القبول بالقليل حتى يتسنّى ويتيسّر لهم الخير الوفير والذي سوف لن يأتيهم.. ولم يأتهم.

تتتالى السنون ودار لقمان على حالها ..وبمجرّد اندمال جراح الناس.. وتعافيهم من هول ما أصابهم ..يحلّ ركب الكارثة لاحقا.. في عدّة مواعيد دون سابق انذار...فيتعرّى زيف وعود الساسة والحكام.. وكأنها لعبة الاقدار أو عبثية المصائر.. أو هي أقرب الى جدلية التخفّي والتجلّي ..التي تقوم على المكر والخديعة كما درسناها في ذلك المأثور الشهير «ليلى والذئب»..فالوعود يقابلها الوهم.. والعفوية يقابلها الجحود.. وهكذا هي أحوال شعب تونس مع حكامه وحاكميه. فالترف الذي تعيشه الطبقة السياسية يقابله تخبط الشعب في الفقر والتهميش والمصائب، مليارات الدينارات تم صرفها على الحملات الانتخابية ومثلها استنزف لتأثيث المهرجانات الصيفية وغيرها سرق وتحوّل الى حسابات بنكية في الخارج.. وغيرها كثير كانت كفيلة بان توجه لمجابهة الكوارث التي تترصّد بلادنا في كل حين خاصة في موسم الامطار.. وبأن تدعم البنية التحتية فيخفّ حجم المأساة عن المواطنين .

أي معنى لعرس انتخابي في بلد تغرق أغلب ولاياته في الماء؟

مفارقة عجيبة تجعلنا نستحضر الخطابات الرنانة للمترشحين وما يتزامن معها من مصائب وويلات يعيش على وقعها هذا الشعب المغلوب على أمره ولكن الطبيعة أبت الا ان تنتصر لحقه في الكشف عن زيف ادعاءاتهم.. وكذب ما يتلفظون به من جمل برّاقة وشعارات رنانة لإغواء واستمالة واسترضاء هؤلاء المكلومين.. انها المرآة العاكسة لبشاعة الضمائر التي تدير الشأن العام وما تتسم به من أنانية وفساد وانتهازية والمعبرة لوحدها عن أن لا صحة لما قيل سابقا ولا ما يقال حاليا عن الاصلاحات والبناء والتشييد التهيئة والاعمار و.. و.. وان لا احد من اولوياته رفع العناء عن الشعب. لقد كشف السيل العارم من الامطار هشاشة وحجم الخراب الذي تعاني منه البنية التحتية بالبلاد وعرّى زيف ما روجت له الحكومات المتعاقبة قبل وبعد الثورة من مشاريع موجهة لدعم البنية التحتية ويبدو ان الخسائر المادية والبشرية المسجلة في كل مرة تبقى مجرد ارقام ومجرد فترة سوداء يؤشر اليها برقم ويوم معين ثم سرعان ما يتم نسيان حجم المصاب ويطوى كغيره من الاحداث ويلفّه النسيان لنستفيق من جديد على وقع مباغتة نفس الكارثة أو غيرها وبانعكاسات اكثر حدة ومرارة ليتم التعامل معها من قبل الحكومة بفشل آخر كالذي سبقه.

ان سبل التوقي من الفيضانات وغيرها من الكوارث كالحرائق أو الارهاب أو «الحرقة».. مازالت غائبة وكل مرة تحدث فيها تبدو وكأنها الاولى في تاريخ البلاد لما تكشفه من فشل ذريع في كيفية التعامل معها ولما تعكسه من فراغ مدو في السياسات المعتمدة من قبل الحكومات.