الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المناظرة في ميزان الأحزاب السياسية:

التنويه مع تسجيل بعض التحفّظات


الصحافة اليوم ـ نجاة الحباشي

الحدث الجديد والأبرز الذي عاشت على وقعه تونس وتابعه ملايين التونسيين بمناسبة الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها لـ2019 هي المناظرات التلفزية التي تم بثها على المباشر والتي جمعت بين المترشحين المتسابقين الى كرسي الرئاسة، ووضعتهم أمام اختبارات تحدد رؤيتهم لصلاحيات رئيس الجمهورية ومدى استيعابهم للحد الأدنى للمهام الملقاة على عاتقه ومدى تمكنهم من بعض المعارف التي تساعدهم على تحليل الأوضاع السياسية والدولية واتخاذ القرارات اذا ما بلغوا كرسي رئاسة الجمهورية.

من هذا المنطلق ارتأت «الصحافة اليوم» التعرف على مواقف السياسيين والاحزاب التونسية من هذه المبادرة وتقييمهم لهذا التقليد الجديد الذي قدم المترشحين لرئاسة الجمهورية للجمهور العريض في انتظار ان يقول كلمته الأخيرة فيهم عند الاقتراع يوم 15 سبتمبر الجاري.

بالنسبة للسيد عصام الشابي أمين عام الحزب الجمهوري فقد اعتبر ان هذه المناظرات من حيث الشكل باعثة على الاعتزاز وتمثل اضافة جديدة للتقاليد الديموقراطية في تونس، وترسيخا لمبدإ التعدد والتنافس على منصب الرئيس مضيفا أن الإعلام بتنظيم هذه المناظرات يمكّن الرأي العام التونسي من الاطلاع على مواقف وبرامج ومقترحات المترشحين وهذا في نظره يؤكد السبق التونسي دائما ويعطي صورة على أنه على الرغم من كل العثرات والصعوبات فإن المسار السياسي في تونس يواصل تقدمه.

غير أن المتحدث حاول أن لا يكون قاسيا في توجيه نقده لمحتوى هذه المناظرات التي رأى أنها تتصف بالرتابة وبغياب التناظر بين المترشحين كما أن الأسئلة كانت معدة مسبقا بعضها كان في جوهر الموضوع وبعضها الآخر لم يكن له أي محل من الإعراب قائلا «أنه كان من المفروض تنظيم مناظرة بين مرشحين أو ثلاثة لا أكثر نشهد فيها تبادل الآراء والأفكار» كما لاحظ الشابي وجود خوف مبالغ فيه وحرص شديد من طرف الصحفيين على المساواة الشكلية بين المترشحين وعدم تدخلهم في إدارة الحوار وهو جيد في نظره لكنه افقد المناظرة روحها حسب قوله كما أكد القيادي بالحزب الجمهوري انه كان على يقين عند متابعته لهذه المناظرات مثله مثل الكثير من التونسيين أن البعض من المترشحين لا يمتلك أدنى المؤهلات لكي يقدم نفسه للشعب التونسي ونيل ثقته لقيادة الدولة فثقافتهم السياسية تكاد تكون سطحية ولا تتعدى عناوين المواضيع ولعل هؤلاء في نظره ناجحون في مجالات عملهم لكن في مجال السياسة هم مرتبكون لأن السياسة وفق قوله لها أهلها وتتطلب الخبرة والتجربة وفهم عميق للصراعات السياسية وقيادة الرأي العام والدولة والدبلوماسية .

واوضح ان هناك من جاءت بهم الصدفة وهناك من يجتر نفس الكلام ولا يستطيع تركيب جملة مفيدة وهناك من أساء لنفسه لانه بعيد جدا عن السياسة وعن خوض غمارها فما بالك باعتلاء كرسي رئاسة الجمهورية. وعموما وحسب السيد عصام الشابي فإن هذه المناظرات كشفت ايضا ان الفصاحة ضرورية لمنصب الرئيس لكنها غير كافية والان منصب الرئيس يتطلب قدرات أخرى كثيرة.

اما القيادي في الجبهة الشعبية السيد محسن النابتي فقد اعتبر أن المناظرات التلفزية التي تابعها التونسيون مثلت الحدث الأهم في سياق الحملة الانتخابية التي طغى عليها نوع من الفتور باعتبار الوضعية التي تعرفها البلاد من ناحية وباعتبار ما شهدته من نشر الغسيل والفضائح بين السياسيين واكد أن هذه المناظرات أنقذت الموقف من حيث المتابعة الواسعة لها ومن حيث التفاعل بغض النظر عن طبيعة هذا التفاعل قائلا أنها كتجربة أولى بالنسبة للإعلاميين وبالنسبة للمترشحين أنفسهم شابها بعض الارتباك ولكنها تبقى خطوة مهمة في انتظار تقييمها ومزيد تطويرها.

وفي رأي المتحدث فقد كان من الأجدر التقليص في عدد المترشحين في المناظرة الواحدة ليأخذ المترشح مساحة افضل كما أن الأسئلة المطروحة لم تكن حسب قوله بالعمق المطلوب وحتى في طريقة طرحها من طرف الصحفيين اذ كانت هناك خشية ملحوظة من طرفهم وغابت أسئلة ضرورية متعلقة بالنظرة للصراع الدولي وكيفية إدارة الدولة أو مقاربة السياسة الخارجية في ظل عودة صراع الأقطاب وكيفية تحليل رئيس الجمهورية للصراع القائم اليوم في العالم أو طبيعة القوى الصاعدة وكيفية التعامل معها إلى غير ذلك من الأسئلة التي تهم القضية الفلسطينية مثلا والتي اختزلت في سؤال تقليدي في علاقة بتجريم التطبيع بينما كان المفروض في نظره ان يكون السؤال أعمق على شاكلة كيف ينظر رئيس الجمهورية للصراع العربي الصهيوني.

كما عرج المتحدث على السؤال المتعلق بالأزمة الليبية وقال انه تم التعرض لها بصفة سطحية والحال أنها في عمق الأمن القومي التونسي.

وأشار النابتي إلى أن العديد من الأسئلة والتفاصيل في ما يخص الأمن القومي هي في حقيقة الأمر من اختصاص الخبراء والعسكريين المباشرين لأن اختصاص الرئيس هو تحديد الرؤية العامة للدفاع والأمن القومي.

من جهة ثانية أوضح القيادي بالجبهة الشعبية أن هناك بعض المرشحين خرجوا من السباق من خلال المناظرة واثبتوا ضحالة كبرى وجعلوا الناس يتساءلون لماذا ترشحوا أصلا وهم لا يستطيعون الإجابة عن سؤال في تسعين ثانية في حين أنه لم يطلب منهم تقديم محاضرة في ساعة ونصف. مقابل هؤلاء حسب القيادي في الجبهة الشعبية هناك مترشحون آخرون كسبوا رضا الناس واحترامهم لكن ان كان هذا الرضا ستتم ترجمته انتخابيا فهذا لا يمكن الجزم به وفق قوله لأن الانتخابات تحكمها عوامل أخرى مؤثرة عدا المناظرة من قبيل المال السياسي والماكينة الانتخابية وغيرها.

كما اشار الى ان هناك من بين المترشحين من تفوّق اتصاليا وهناك من تفوّق في المضمون. لكن عموما وماهو مؤكد أن الجبهة الشعبية سجلت رضاها عن المناظرات وفق تاكيد المتحدث ورغم الشوائب التي من المؤكد سيتم تلافيها مستقبلا فهي خطوة إيجابية ولعلها في الدور الثاني تصبح افضل ومن طراز عال يليق بتونس وبشعبها.

مع تأكيد المتحدث أن مثل هذه المبادرات هو الذي يرفع من وعي الشعب ويجعله منتبها لعديد المضامين والمسائل التي لم يكن منتبها لها وخلص إلى أن التجربة الديموقراطية التراكمية تُبنى بمثل هذه الطريقة.

اما السيد عماد الخميري المتحدث باسم حركة النهضة فقد شدد في هذا السياق على أن تونس تشهد الاستثناء في المنطقة العربية سواء من خلال ما أنجزته من انتقال سلس للسلطة بعد وفاة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وذلك وفقا لأحكام الدستور أو من خلال استعداد البلاد لإنجاز انتخابات سابقة لأوانها تليها انتخابات تشريعية.

وأكد على أن تونس على مستوى مسارها وانتقالها الديمقراطي هناك مكاسب كثيرة تحسب لها وللتونسيين من خلال تنظيم انتخابات حرة وديمقراطية ،مضيفا أن فكرة المناظرات تتنزل في هذا الإطار اذ لأول مرة في تاريخ تونس الحديث تنتظم هذه المناظرات بين المترشحين لرئاسة الجمهورية وهو في حد ذاته حدث تابعه آلاف التونسيين معتبرا اياه امرا إيجابيا لكن ذلك لم يمنعه من سَوْق بعض الملاحظات في مستوى المضمون، اذ ان هذه المناظرات حسب رأيه لم تمكّن الأطراف المشاركة من التحاور في ما بينها حول اطروحاتها السياسية بل اكتفى المتناظرون خلالها بالإجابة عن أسئلة متعددة متعلقة باختصاصات رئاسة الجمهورية وهو في حد ذاته مهم ولكن الاهم في تقديره أن يتابع التونسيون التفاعل بين هؤلاء المشاركين في ما بينهم لان من مقتضيات المناظرة حسب رايه الحوار بين الأطروحات المتعددة والردود والتنافس بينها وهذا مالم «نره في الجزء الأول من المناظرات ولعلنا نتابعه في الدور الثاني للانتخابات» وفي كل الأحوال وحسب الخميري فإن هذه المناظرات هي خطوة مهمة في تقديم كل مترشح لوجهات نظر مدرسته وحزبه وتياره الفكري والسياسي في شتى القضايا التي تهم شؤون إدارة الدولة.

وقال أنه لا يمكن اعتبار أن المناظرات هي أحد الأركان التي تحدد قرار الناخب ولكنها تساعده على أخذ فكرة عن المترشح وعن برنامجه وتعريفه بنفسه. من جهة أخرى أوضح الخميري أن عمل الإعلاميين مهم في طرح الأسئلة لتبيان واكتشاف رؤية كل مترشح للرئاسة ولكن الاطار ظهر وكأنه اطار امتحان رسمي اكثر منه مناظرة.