الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



اليسار يدخل المعركة الانتخابية مُشتّتا ومتناحرا:

الكتلة لم تعد مضمونة في البرلمان



بقلم: محمد بوعود

ربما لم يتصوّر اليسار ونُخبه المثقفة وتشكيلاته الشبابية والنسائية والطلابية، ان يصل الخلاف يوما الى ما وصل اليه الان، وربما لم يخطر بباله حتى مجرّد ان يدخل انتخابات وهو يحارب أجنحته ويحاربه الاخرون، ولا حتى ان يخوض استحقاقا بحجم الرئاسيات والتشريعيات دون أن يكون تحت مظلّة موحّدة وشعار واحد.

صحيح أن لليسار مدارس متعددة، وتوجهات وتيارات مختلفة، لكنه في السنوات الاخيرة، وتحديدا منذ بداية 2012 استطاع أن يوجد هيكلا جامعا، خاض به انتخابات ديسمبر 2014 واستطاع أن يخرج منها بخمسة بالمائة من أصوات الناخبين للرئاسية رغم حملة «الفوت ايتيل» ورغم الاستقطاب الثنائي والتحشيد بين جماعة الهويات المرعوبة والنمط الخائف.

تلك التجربة جعلته لأول مرة يعرف ما معنى ان يكون شريكا حقيقيا في صنع مصير البلاد، وفي الصراع السياسي الحقيقي على السلطة، وفي مجابهة القوى المختلف معها، على أرض الواقع وفي صناديق الاقتراع وفي هيئة الانتخابات والمحاكم ومجلس النواب، بعد أن قارعها طويلا في البيانات والجامعات وحتى في السجون والمعتقلات.

ومكّنته التجربة الفريدة بعد 2014 من أن يكون صاحب الكُتلة البرلمانية ذات الخمسة عشر مقعدا، والتي صمدت طيلة خمس سنوات ولم تتعرّض لهزات وانشقاقات وتصدّعات كما حدث مع غيرها، بل استطاعت ان تكون رقما صعبا في المجلس تعدّل عليه الحكومة ورئاسة المجلس وحتى رئاسة الجمهورية كل أوتارها حين التفكير في مناقشة مشروع قانون او تمرير اي أمر يتعلّق بمصلحة البلاد وبالظروف المستجدة والعادية.

لكن النصف الثاني من آخر عام في العُهدة البرلمانية لم يكن جيّدا بالنسبة الى الجبهة الشعبية، وبالنسبة إلى اليسار عموما، ولكل القوى المعتدلة الحاملة لمشروع وطني اصلاحي ثوري يرمي الى تغيير حقيقي يمسّ مناويل التنمية ومشاريع الاصلاح التي اشتغلت طيلة عقود على نمط واحد وتوجّه واحد وأثبتت فشلها في كل المراحل، حسب وجهة نظره.

فقد عرفت الجبهة انقسامات حادّة خسرت على اثرها زعيمها وناطقها الرسمي حمة الهمامي والكتلة البرلمانية التي تحوّلت منقوصة الى الشقّ الثاني الذي يقوده النائب منجي الرحوي ويتزعمه حزب الوطد الموحّد، وبقي الفرع الاخر من الجبهة دون كتلة، خاصة بعد انسحاب رئيسها الاستاذ أحمد الصدّيق، القيادي البعثي في حزب الطليعة العربي الديمقراطي.

ولم تقف الخلافات عند حدود تفتيت الكتلة البرلمانية وتقسيم الجبهة، بل امتدت الى الترشحات الجديدة، سواء في الاستحقاق البرلماني حيث تقدم الوطد الموحّد بقائماته صحبة رابطة اليسار العمالي وحزب الطليعة، في حين تقدم حزب العمال بقائماته رفقة حركة البعث والتيار الشعبي ومستقلين، وخاض الطرفان معركة شعار وعنوان، انتهت اداريا بمنح اسم حزب الجبهة الشعبية لقائمات الوطد، واسم الجبهة لقائمات حمه الهمامي.

نفس الامر بالنسبة للاستحقاق الرئاسي السابق لأوانه، والذي ترشّح فيه حمّه الهمامي عن الجبهة ومنجي الرحوي عن الجبهة الشعبية والسيد عبيد البريكي عن حزب اليسار، ما يعني أن أصوات الناخبين التي ذهبت موحّدة في 2014 الى السيد حمه الهمامي وتحصّل بموجبها على أكثر من خمسة في المائة، ستذهب الان مشتّتة الى ثلاثة عناوين، وقد لا تصل نسبتها إلى واحد فاصل لكل مترشح من الثلاثة، وهو ما يعني ضربة موجعة لليسار، وقد يتطلب الامر عقودا حتى يبرأ منها.

في حين توزّعت القائمات البرلمانية بطريقة لا توحي الا بمزيد التشتت والتشرذم، خاصة في الدوائر الاكثر أهمية كقائمة تونس الاولى التي يتنافس فيها كل من الجيلاني الهمامي، الرجل الثاني في حزب العمال، والذي ترشّح سابقا وفاز على دائرة سليانة، لكن يبدو أنه اختار أن يتموقع على رأس قائمة العاصمة، التي بدت في مواجهة كبيرة مع قائمة الجناح الثاني من الجبهة، اي مع رفاق الامس، الذين اختاروا بدورهم الاستاذ احمد الصديق الذي ترأس الكتلة البرلمانية بعد أن صعد المرة الماضية على قائمة مدنين.

في الوقت نفسه قدّم اليسار قائمة أخرى للعاصمة تترأسها ارملة الشهيد شكري بلعيد السيدة بسمة الخلفاوي بلعيد، عن حزب السيد عبيد البريكي، والتي تراهن على تحقيق نتائج كبرى أمام منافسيها الاصليين كراشد الغنوشي ومصطفى بن أحمد، ومنافسيها من الرفاق السابقين، كأحمد الصديق والجيلاني الهمامي.

نفس الامر في بن عروس حيث يتنافس كبار قادة النهضة وتحيا تونس مع يسار مشتت ترأس فيه القيادي في حركة البعث الأستاذ الجامعي عثمان الحاج عمر قائمة الجبهة وزياد لخضر أمين عام الوطد الموحد قائمة الجبهة الشعبية، وهو ما سيفتح ثغرة كبيرة تفلت منها الاصوات التي كان من المفترض أن تكون موجّهة الى قائمة واحدة.

لكن السؤال الاهم الذي يخالج اليساريين عموما وخصوصا أبناء الجبهة الشعبية، هو لماذا هذا الانقسام الان وهنا بالذات؟ أي لماذا وقع فقط على مشارف الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني، واللذين تعوّل عليهما عادة الاحزاب في حشد أنصارها واختبار قوتها والمحاربة من اجل الظفر بأكبر قدر ممكن من مراكز السلطة، اي من اجل المنافسة على الحكم، سواء كان في النيابات البرلمانية او في الرئاسيات وحتى فيما بعد في تشكيل الحكومة.

وهو سؤال لم يستطع أحد من الاطراف المتخاصمة والمتنافرة أن يجيب عليه، خاصة وان كل ما قدّموه من تبريرات تنظيمية وفكرية وحتى من سماها غلطات تاريخية وغير ذلك، لم يقنع جمهور الجبهة الشعبية، ولم يستطع أن يوضّح السبب الحقيقي الذي يجعل قوة بحجم الجبهة وكتلتها البرلمانية وصوتها الذي كان مسموعا ويُقرأ له ألف حساب في الداخل والخارج، وجمهورها الذي تناسى كل خلافاته السابقة واصبح فقط يؤمن بالجبهة الشعبية وبأهدافها وشعاراتها، ويعتبرها ممثله الرسمي والوحيد، وحاضنته التي يختلف ويتصارع داخلها تتصدّع فجأة وبكل هذه الكميّة من الخراب الذي لا يدري اين كان يخزّنه قادتها عندما كانوا يجتمعون ويخططون ويناقشون، كرفاق درب ومصير واحد.

ورغم أن المجالين الفكريين الآخرين، اليمين الديني والوسط الدستوري أو الحداثي او الندائي، كلاهما يعرف انشقاقات كبرى وخلافات واستقالات وتنافسا لا مثيل له، لكن لهما أسبقية على اليسار باعتبار ان المرور الى الدور الثاني سيكون حكرا عليهما، ولن يستطيع اليسار حتى لو كان موحدا ان يمرّر مرشحه الى الدور الثاني، وهو الدور الذي ستتكتل فيه هذه القوى على كلمة رجل واحد وراء مرشحها المتبقي، في حين سيخرج اليسار من الدور الاول، وبالتالي لن تبقى له حتى فرضيات التفاوض والتنازل والتحالف مع الاخرين، ولن يحصّل لا مكانا متقدما في الرئاسية، يجعله يفاوض برصيده ذاك مع أحد المترشحين المتبقيين للدور الثاني ويكسب منه تنازلات ووعود، ولن يمتلك كتلة برلمانية قوية يستطيع أن يفاوض بها في تقسيمات ما بعد الانتخابات، كما لن يكون شريكا ولا حتى متواجدا في الحكومة ابّان تشكيلها باعتبار أنه ليس الحزب الاول الذي سيُكلّف بتشكيلها، ولا الحزب الثاني الذي لا مناص من التحالف معه لاكتمالها، ولا حتى الحزب الثالث الذي لا بد منه لتمريرها وتزكيتها.

وهذا الخروج المهين لليسار من السباق الانتخابي مبكّرا، وحسابيا حتى قبل أن يبدأ، ستكون له انعكاسات سلبية لعقود أخرى، باعتبار أنه لن يكون قادرا على التدارك خلال السنوات القليلة القادمة، أمام عدم توفّر الرغبة في ذلك لدى كل مكوناته، وباعتبار التوجّهات الجديدة للرأي العام، ولجيل الشباب، والذي قلّ فيه التوجّه نحو اليسار، الذي يبدو أن أدبياته ونظرياته ومسلّماته لم تعد برّاقة ولا خلاّبة ولم تعد تسحر لُبّ الشباب من التلاميذ والطلبة، الذين لا يعتقد عاقل أنهم سيتحمّسون لهذا الفكر وهم يرون روّاده كيف يتناحرون من أجل مقعد في البرلمان أو من أجل ترشّح لكرسي رئاسي يعرفون قبل غيرهم انه من سابع المستحيلات بلوغه، ومع ذلك ضحّوا بحلم شباب الجبهة وطموحات أجيال بأكملها من أجل الظفر به.