الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



إطالة الازمة لن توجد الحلول:

على الجميع التحرّك .. على الجميع الإنقاذ


بقلم: محمد بوعود

لا يختلف اثنان في تونس أن البلاد تعيش حالة أزمة خانقة، وأنها بالفعل توشك على الافلاس، وأن السبب الرئيسي وراء كل ذلك هو عدم الاستقرار السياسي، وعدم وضوح الرؤية، وعدم معرفة من يحكم فعلا، ولا ما هي برامجه ولا كيف يفكّر للخروج من هذه الازمة، التي طالت وتحوّلت الى خطر حقيقي على وجود الدولة التونسية نفسها، مهما حاول البعض التخفيف أو التقليل من ذلك.

فعندما تتحول أزمات الاقتصاد الى خطر حقيقي على رواتب الناس وأجورهم ولقمة عيشهم وأرزاقهم، فذلك لم يعد يسمّى أزمة اقتصادية بل هو إفلاس حقيقي وهو بداية للسقوط في عالم الدول الفاشلة، لان عواقبه معروفة وهو انهيار ما تبقى من منظومة كانت تربط كل مؤسسات الدولة ببعضها، وهو أيضا تشتت لكل العوامل التي يمكنها ان تحافظ على تواصل الفعل المؤسسي متى ما حافظت على توازنها المالي الداخلي ولو بالحدّ الادنى من الامكانيات.

أما مسألة التفكير بمنطق ان هناك بلدانا وصلت الى نفس وضعيتنا كلبنان والبانيا ويوغسلافيا السابقة أو الصومال واليمن، فان هذا هو الكارثة بعينها، لان الجميع يعرف جيدا ما وقع في تلك الدول نتيجة هذه السياسات، ويعرف مآلات الفشل والاقتتال والاحتراب وضياع الدولة والوطن، وتنفّذ الاجنبي، وتوافد الغزاة، وهو ما لا نعتقد أن أحدا من المسؤولين يمكن أن يرتضيه لبلادنا.

أما النظرة الثانية وهي الكارثية ايضا، والتي يعتقد أصحابها أن دول العالم، وأوروبا، وأشقاءنا العرب، وأمريكا وغيرها لا يمكن ان تترك تونس تسقط، وستتقدم في آخر المطاف لانقاذها، وهو رأي خاطئ مائة بالمائة، لان مفهوم الدول لم يعد يعني الكثير بالنسبة للمنظومات المتحكمة باقتصادات ومصائر العالم. فقد انتهت أو انتفت الحاجة الى الدول المدعومة منذ نهاية الحرب الباردة، حيث كان الاتحاد السوفياتي يدعم عشرات الدول ويضخّ فيها أموالا ويدفع حتى رواتب موظفيها وحليب أطفالها من أجل ان تستمر ولا تسقط في براثن الغرب الرأسمالي، في نفس الوقت تفعل امريكا نفس الامر مع بلدان من حلفها او قريبة منها، وهو ما خلق توازنا حافظ على الدول بحدودها الحالية على الاقل.

أما الان فإذا سقطت الدولة لا قدّر الله، فلن تجد من يسخّر امكانياته او يدفع من أمواله لانقاذها، ولا أدل على ذلك من سقوط الصومال التي لم يلتفت لها العالم منذ 1990، واليمن التي انهارت منذ 2011 وليبيا وما يجري فيها رغم أنها دولة شاسعة وثرية جدا بالثروات، وأفغانستان منذ 1990 وغيرها من البلدان التي سقطت ولم يسارع العالم لانقاذها، ولا ضخّ أموال في خزينتها، ولا كلّف نفسه حتى الاجتماع في الامم المتحدة او قرارا من مجلس الامن الدولي لانقاذ الصومال او بناء افغانستان، أو وقف الحرب في اليمن.

وبالتالي فسياسيونا الذين يراهنون على العالم الخارجي عليهم ان يتركوا ذلك جانبا، وان ينسوا أن هناك عالما او دولا مستعدة لانقاذنا حتى من محيطنا القريب وأقصد هنا أشقاءنا العرب الاثرياء الذين لم يدفعوا الى حدّ الان مليما واحدا مساعدة لتونس، رغم انهم يضخون مليارات الدولارات للامريكان والانقليز والارهابيين والاتراك والروس، وحتى ولم يكلّفوا أنفسهم الايفاء بما التزموا به في مؤتمر الاستثمار الذي انعقد نهاية 2017 ولا ندوة الاصلاحات الكبرى التي انعقدت في بداية شهر ماي الماضي، بل حتى ان بعض هذه الدول الشقيقة، قطع على نفسه وعدا بانجاز مستشفى جامعي بثمانين مليون دولار لكنه بعد الحاح لم يكلّف نفسه الا ارسال مليون دولار مع أحد مسؤوليه كهبة وتبرّع لاصلاح جامع الزيتونة.

وهذا المثال وغيره ويمكن أن نقيس عليه في كل مجالات الاستثمارات، وفي كل الأكاذيب التي لازالت تنطلي إلى حد الآن على التونسيين رغم سعة آفاقهم في عالم الاتصالات والإعلام والانترنات. وللذين يضربون المثل بالشقيقة مصر وكيف تلقت الدعم من الأشقاء الخليجيين فعليهم فقط أن يراجعوا حجم تلك المساعدات، ويربطوها بالثمن الذي قدمته القاهرة من سيادتها الترابية، فقد أخذوا منها جزيرتين في مدخل البحر الأحمر مقابل خمسة مليار دولار، ومن يومها لم يضيفوا فلسا واحدا، والآن يساومونها بالدخول في حرب اليمن وإلا فلن يدفعوا باقي ما وعدوا به.

وعلى هذا المقاس فان الجميع في تونس عليهم أن يعوا جيدا أن الأزمة بدأت من هنا، لأسباب قد تكون مختلفة، ومتشابكة، ومعقّدة، لكن حلها أيضا لن يكون الا من هنا، وانتظار الحلول من الخارج هو أشبه ما يكون بانتظار العطشان للسراب.

لكن الأهم والاوكد من ذلك ان هذا الحل لا يجب ان يتأخّر أكثر ولا ان يتواصل السجال السياسي العقيم وعقلية تسجيل الاهداف في مرمى الخصوم وعقلية كسب مزيد من المواقع او انتظار مزيد من العثرات للاخرين فالجميع الان في مرمى النار ولم يعد أحد في منأى عن السقوط والفشل والجميع يتحملون نتائج ما وصلنا اليه وان بدرجات متفاوتة الا ان الجميع دون استثناء بمن فيهم الشعب ساهموا في تدهور وضع بلادنا الى هذا الحد الخطير.

أما الذين يراهنون على 2019 باعتبارها محطة مفصلية، فان الخشية الان أصبحت ان لا تصل الدولة سليمة الى هذا التاريخ وان تتعدّد الكوارث لا قدّر الله خلال هذا العام او حتى خلال الايام والاسابيع المقبلة.

فما يجري على الارض لا يترك مجالا للتنفس او لربح الوقت او لترحيل المشاكل او حتى لانتظار الحلول ومؤشرات التنمية او نسب النمو التي قد ترتفع في آخر السنة او غيرها من الارقام والاحصائيات التي لم يعد يصدّقها أحد.

المشكل الان في توتر اجتماعي قد يحصل في اية لحظة وفي مأزق سياسي قد يعرف تدهورا خطيرا ايضا في أية لحظة والمشكلة بالاساس هي عدم معرفة التونسيين من يحكم فعلا ومن الذي يسيّر دواليب الدولة المهترئة.

فقد انتخب التونسيون حزبا ورئيسا وأعطوا أصواتهم بكل حرية ليجدوا أنفسهم امام تشكيلات سياسية لا يعرف احد من اين توالدت وأما ائتلافات لا يعلم الا الله على أي أساس قامت ووفق اية برامج، وما الذي يخفى منها تحت الطاولات، وماذا أقرّت في الغرف المظلمة.

وعليه فان هذا المشهد المتشابك، والذي يجمع العالم كله على فشله، عليه ان يكتسب الجرأة والشجاعة، ليقول انه يكفي، ,انه آن الاوان، للمصارحة ولتحمّل المسؤولية وإحداث رجّة سياسية تعيد الامور الى نصابها، وتعيد منسوب الثقة القليل للمواطنين، وتضع على الاقل صورة واضحة للحكم والمسؤولية في الدولة.

ولعل بعض الناس قد اعتقد أن رئيس الدولة عندما تحدث يوم الاثنين الماضي من المستشفى العسكري ودعا لاجتماع عاجل لمجلس الامن القومي سيضع بعض الامور في مسارها الصحيح وسيعطي تعليماته باصلاحات وتعديلات قد تؤثر بنفس ايجابي على المشهد لكنه قطع آخر شعرة له مع الحكم، وظهر بالكاشف أنه لم يعد على علاقة مباشرة بالشأن الحكومي ولا الاداري ولا بالمناصب والمؤسسات ولا بما يجري في الحكم.

وحتى اجتماع مجلس الامن القومي فانه لم يسفر الا عن بلاغ قصير لا يزيد الا في طاقة الاستبلاه القصوى التي تُمارس على الناس، ولم يدع الا الى مزيد دعم القوات المسلحة، وكأن هناك مجالس أمن قومية تنعقد في دول أخرى من العالم لتدعوا الى عدم دعم قواتها المسلحة او التخفيف من الاسناد والتعزيز في حالة عمليات ارهابية.

وبقدر ما تبدو الحالة ضبابية، وبقدر ما يسيطر على الوضع شبه يأس، الا أنه في واقع الامر، أكثر خطورة مما يظهر على السطح، والوقفة الانقاذية الحازمة لا يجب ان تتجاوز الايام القادمة، والا فان مصير الدولة برمته سيدخل في مسار الخطر.